حين تُباع الشمس: صراع الضوء بين الفضاء والجسد والروح

*حين تُباع الشمس: صراع الضوء بين الفضاء والجسد والروح*
➖🟢➖
*مُهرة نيوز*

في عالمٍ لم يعد يكتفي بما تحت السماء، بدأت الأفكار تصعد إلى الفضاء، لا لتكتشف الكواكب فحسب، بل لتُعيد ترتيب مفاهيم الأرض نفسها. من بين هذه الأفكار، تبرز واحدة تثير الدهشة وتستفز الخيال معًا: بيع ضوء الشمس.
قد يبدو العنوان ضربًا من الشعر أو مجازًا علميًا، لكن الواقع أكثر جرأة. شركة أمريكية ناشئة تُدعى Reflect Orbital تعمل على تطوير تقنية تقوم على نشر مرايا عاكسة على أقمار صناعية في المدار الأرضي، لتلتقط ضوء الشمس وتعيد توجيهه إلى بقاع محددة من الأرض، خصوصًا في ساعات الليل أو في المناطق التي تعاني من شحّ الإضاءة.
الفكرة، في جوهرها، بسيطة ومعقدة في آن: ما دام الضوء يصل إلى الفضاء بلا انقطاع، فلماذا لا يُعاد توجيهه حيث يحتاجه البشر؟ هكذا تحوّلت الشمس من ظاهرة كونية إلى مورد قابل للتوجيه، وربما – مستقبلًا – للتسعير.
لكن هذه الخدمة لا تُقدَّم للأفراد، بل تستهدف الشركات، مثل محطات الطاقة الشمسية التي يمكنها مضاعفة إنتاجها بعد الغروب، والحكومات، لاستخدام الضوء في حالات الطوارئ، الكوارث الطبيعية، أو دعم البنى التحتية في المناطق المعزولة.
هذه الفكرة، رغم حداثتها التقنية، تفتح بابًا عميقًا للتأمل في المعنى القرآني لتنظيم الكون والزمن. يقول الله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا ۝ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ (النبأ: 10–11).
في هاتين الآيتين تتجلى حكمة إلهية دقيقة: الليل ستر وسكون وراحة، والنهار حركة وسعي وبناء. تقسيم الزمن ليس اعتباطيًا، بل نظام كوني يخدم الجسد والروح والمجتمع معًا.
ويقول سبحانه: ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ (النبأ: 13)، في إشارة إلى الشمس كمصدر حياة ودفء ونمو، لا مجرد جرم مضيء، بل نعمة موضوعة بميزان. وهنا يبرز السؤال: هل إعادة توجيه الضوء امتدادٌ لمفهوم التسخير والاستخلاف في الأرض، أم تجاوزٌ لتوازنٍ دقيق أودعه الله في الكون؟ ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ (الجاثية: 13).
علميًا، لا يُعدّ الليل مجرد غياب ضوء، بل حالة بيولوجية ضرورية لصحة الإنسان. ففي الظلام تُفرز الغدة الصنوبرية هرمون الميلاتونين، وهو هرمون ينظّم النوم والساعة البيولوجية، ويعمل كمضاد قوي للأكسدة، يحمي الخلايا من التلف، ويدعم المناعة، ويوازن المزاج. التعرّض المستمر للضوء ليلًا، سواء صناعيًا أو – نظريًا – عبر ضوء شمسي مُعاد توجيهه، يؤدي إلى انخفاض إفراز هذا الهرمون، واضطرابات النوم، وزيادة خطر الاكتئاب، السمنة، السكري، أمراض القلب، وربما بعض أنواع السرطان بحسب دراسات وبائية.
رغم الطابع الثوري للفكرة، لا تزال في طور التطوير، ولم تدخل حيز التشغيل الكامل بعد. وقد أثارت نقاشًا علميًا واسعًا حول آثارها البيئية، خاصة ما يتعلق بالتلوث الضوئي، وتأثيره على الحياة البرية، والمراصد الفلكية، والنظام البيئي الليلي. كما يطرح المشروع أسئلة أخلاقية واستراتيجية: من يملك الحق في توجيه الضوء؟ ومن يضمن ألا يتحول إلى أداة هيمنة أو تفوق تقني في النزاعات؟
في هذا المشروع، لا تُلغى الشمس عند المغيب، بل تُعاد صياغة علاقتها بالزمن والجغرافيا. الليل، الذي ظل قرونًا مساحة للهدوء والظل، قد يصبح يومًا امتدادًا للنهار، لا بفعل القمر، بل بإرادة الإنسان وتقنيته. غير أن النص القرآني يذكّرنا بأن الليل ليس مجرد غياب نور، بل نعمة قائمة بذاتها: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ…﴾ (القصص: 71)، في تذكير بأن تعاقب الليل والنهار رحمة لا تُدرك قيمتها إلا بزوالها.
بيع ضوء الشمس ليس خيالًا علميًا ولا خدعة رقمية، بل مشروع حقيقي يقف على تخوم العلم والتجارة والفلسفة والدين والطب. هو محاولة لإعادة تعريف موردٍ ظلّ مجانيًا منذ فجر الخليقة، وتحويله إلى خدمة عند الطلب. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام ثورة في الطاقة والإنسانية، أم أمام اختبار جديد لحدود الإنسان أمام حكمة الخلق، وتوازن الجسد، ونظام الكون؟

*غاندي حامد*
__________
*لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽
https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس فقيرًا، بل مُعطَّل. ليس عاجزًا، بل مُقيَّد بسوء الإدارة وتراكم الأزمات. أراضيه الزراعية الممتدة، موارده المعدنية، موقعه الجغرافي، وثروته الحيوانية—allها كفيلة بأن تجعل من أي وديعة استثمارًا رابحًا لا مخاطرة فيه، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية واضحة. إنها دعوة صادقة لكل من يستطيع أن يسهم: للدول الشقيقة، للمؤسسات المالية، ولرؤوس الأموال الباحثة عن الفرص. وديعة لشعب السودان… وديعة تُعيد الأمل، لا تُعمّق التبعية. وديعة تُبنى على المصالح المشتركة، لا على الاستغلال. فالكل فيها رابح، إن صلحت النوايا، واستقامت الرؤية. والأيام دول… وقد علمتنا التجارب أن الشعوب، مهما طال ليلها، لا بد أن ترى فجرها. نسأل الله أن تكون للسودان أيامٌ مقبلات، أيام نهوضٍ واستقرار، وصولاتٍ وجولات… *د. عبد الرؤوف قرناص* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي لهم وظيفة الحصول علي (مصاريف الإرتزاق) من الكفيل المغلوب علي أمره، فهؤلاء القوم (فات) عليهم ان (ماحاق) بتجارب الإنقلابات العسكرية والديمقراطيات من عدم الإستقرار والإضطراب ماعاد يغري أحداً ليفكر في (إجترارها) مرة أخري، فقد عفا عليها الزمن، والبرهان بل كل منسوبي المنظومة العسكرية (يفهمون) ذلك و(ينأون) عن الوقوع في (شراكه) ومآلاته المضنية..أما أن يلجأ البرهان (لصناعة شعبية) له، فهذا قول مردود فالقائد البرهان أصلاً (يتمتع) بهذه الشعبية المكتسبة من (حضوره المؤثر) في قيادة العمليات العسكرية وبما حققه الجيش والفصائل الاخري المشاركة من إ(نتصارات ساحقة) ضد التمرد، فهذه الشعبية (مستحقة) وهو جدير بها وليست تحت (التصنيع) كما يزعم المخبولون..!! *أما قيل عن وقوف السيد رئيس الوزراء مع (عودة) القحاتة للحكم بمايشبه التعاطف معهم، فهو أيضاً من قبيل الكذب، فعودة أو عدم عودة من ساندوا التمرد، (قرار من الشعب) ولايملك الحق فيه لا السيادي ولا الحكومة لأنهما ملتزمان بإرادة الشعب ويقاتلان من أجله عسكرياً ومدنياً..فالبرهان في قيادة الميدانية والتخطيط العسكري وبروف كامل في (معافرة ورهق) الخدمة المدنية وإحياء شرايينها لتعود أقوي…وهما هكذا في هذا (الهم الوطني) الكبير، لا تشغلهما (طموحات ذاتية)، ولايفكران إلا في تحقيق تطلعات الشعب..فاخسأوا ياعملاء الشتات، (فعزة ورفعة) الوطن والشعب هما (الشغل الشاغل) للسيادي والحكومة..!! سنكتب ونكتب…!!! *فتح الرحمن النحاس* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *