قانون المعلوماتية وحرية الصحافة .. جدلية التضاد والمواءمة(2-1)..! ؟

*#قانون المعلوماتية وحرية الصحافة .. جدلية التضاد والمواءمة(2-1)..! ؟*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
▪️مدخل قيمي (لاتقف ماليس لك به علم أن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلٱ) ؛؛مدلول أخلاقي(إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن أصيبوا قومٱ بجهالة فأصبحوا علي ما فعلتم نادمين) ؛؛مسار تربوي لقد حرم الإسلام كل أشكال الإساءة والتشهير الغير مبرهن بأدلة وثبوت قانوني وعدلي خاصة في الشأن العام هذه خلفية لتوجه مسار هذا المقال لاكمبرر ضرورات إصلاحية ولا كإستدلال علي أن لاقدسية للنص سوي الوحي فهذا مدخل معرفي لطرحنا هذا حتي لا يحمل في سياق التهكم وتجاوز الممكن القانوني في مفاهيم العدالة ونقول قبل أسبوع، أُغلق باب سجن النساء في بورتسودان على صحفية التهمة ليست سرقة ولا عنف. التهمة منشور. مادة صحفية نشرتها عن شخص قالت إنه “سمسار في ثوب مستشار” استفاد من الحرب ونفوذ الدولة. القانون الذي حاكمها: قانون مكافحة جرائم المعلوماتية. المادتان 25 و26. “إساءة”، “أخبار كاذبة”.
فقانون المعلوماتية وُضع لحماية المجتمع من الفوضى الرقمية، من التشهير، من الكذب الذي يهدم سمعة الناس ويهدد الأمن. وهذا هدف مشروع لا يختلف عليه عاقل.
وفي المقابل، الصحافة وُجدت لتبحث في ما هو خفي، لتسأل عن المال العام، لتكشف تضارب المصالح، لتقول للسلطة: “هنا منطقة خلل للإصلاح “. وهذه وظيفة لا تقوم الديمقراطية ولا محاربة الفساد بدونها.المشكلة ليست في وجود القانون. المشكلة في أن نصه المطاطي جمال أوجه دلالي جعل الخط الفاصل بين “النقد المشروع” و”الإساءة” رفيعاً حد الاختفاء. فأصبح السلاح الذي صُمم لحماية الحقيقة، يُستخدم أحياناً لحماية النفوذ من الحقيقة.هذا المقال لا يجادل في ضرورة القانون. يجادل في ضرورة مواءمته مع طبيعة مهنة الصحافة. لأننا اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما قانون يخرس الصحافة فيسمح للفساد بالتكاثر في الظل، أو مواءمة قانونية تحمي سمعة الفرد وتحمي حق الجمهور في المعرفة وكشف الحقائق المثبتة الموثوقة فسؤال الجوهري. أي السودان نريد أن نبني؟وعن أي نهضة نتحدث؟هنا تبدأ الجدلية.
قانون المعلوماتية وُضع لحماية المجتمع من الفوضى الرقمية، من التشهير، من الكذب الذي يهدم سمعة الناس ويهدد الأمن. وهذا هدف مشروع لا يختلف عليه عاقل.
وفي المقابل، الصحافة وُجدت لتبحث في ما هو خفي، لتسأل عن المال العام، لتكشف تضارب المصالح، لتقول للسلطة: “أثبت”. وهذه وظيفة لا تقوم الديمقراطية ولا محاربة الفساد بدونها.
فالمشكلة ليست في وجود القانون. المشكلة في أن نصه المطاطي جعل الخط الفاصل بين “النقد المشروع” و”الإساءة” رفيعاً حد الاختفاء. فأصبح السلاح الذي صُمم لحماية الحقيقة، يُستخدم أحياناً لحماية النفوذ من الحقيقة. لماذا يتصادمان؟ فطبيعة القانون ضد طبيعةالصحافةالاشتباك لم يكن صدفة. هو اشتباك وظيفي:فالصحافةعملها قائم على الشك المنهجي. تفتش، تسأل، تنشر حتى لو أزعج ذلك نافذاً. معيارها الأول هو “المصلحة العامة” والقانون الجنائي معياره الأول هو “النظام والسلم الاجتماعي”. يحمي السمعة، يردع الكذب، يعاقب على الضررالواقع.فالنقطة الحرجة في قانون المعلوماتية السوداني هي المادتان 25 و26. تعريف “الإساءة” و”الأخبار الكاذبة” واسع لدرجة إنه يغطي النقد السياسي، التحقيق الاستقصائي، وحتى الخطأ غير المتعمد.والنتيجة: الصحفي يدخل دائرة الخطر ليس لأنه كذب، بل لأنه نشر ما لا يرضي صاحب النفوذ. وهنا يتحول القانون من أداة عدالة إلى أداة إسكات.والسؤال المحوري كيف واءم الآخرون؟هذه دروس من خارج السودان لانخترع العجلة. في الأمر فهناك دول كتيرة مرت بنفس الجدلية ووجدت حلول:فهناك” نموذج التغليظ” بعض الدول العربية وسعت جرائم النشر الإلكتروني ورفعت العقوبة للسجن. النتيجة المباشرة: تراجع في تصنيف حرية الصحافة، وهروب الصحفيين للخارج، وتكاثر الفساد في الظل. القانون نجح في إسكات الصوت، وفشل في حماية المجتمع.وهناك نموذج للمواءمة:في دول جنوب أفريقيا وكينيا فصّلوا بين التشهير الجنائي والمدني. التشهير بقى دعوى تعويض مدني، إلا إذا ثبت “القصد الجنائي” و”الكذب المتعمد”. النقد السياسي والصحفي محمي دستورياً. النتيجة: صحافة أكثر جرأة، وقضاء أقل ازدحاماً ببلاغات كيدية.فالدرس واضح: حماية السمعة لا تحتاج سجناً. تحتاج تعويضاً عادلاً وآليات نفي سريعة.فالمواءمة لاتعني إلغاء القانون. معناها إعادة تصميمه حتي يخدم الهدفين: حماية الفرد، وحماية حق المعرفة. ثلاثة خطوات عملية أولٱ لابد من نزع العقوبة السالبة للحرية في قضايا النشر أجعل التشهير والإساءة جريمة مدنية. الصحفي الذي أخطأ يدفع تعويض، لا يدخل السجن. السجن يبقى للتحريض على العنف والتحريض على الكراهية فقط.ولابد من اختبار “المصلحة العامة”فأي نشر يخص مال عام، مسؤول عام، أو تضارب مصالح، يُفترض إنه مشروع ما لم يثبت المدعي الكذب المتعمد. عبء الإثبات يقع على الشاكي، ما على الصحفي.و لابد أن يمر البلاغ على لجنة فيها نقابة الصحفيين، محامون، وأكاديميون. دورها فلترة البلاغات الكيدية وتحويلها لتسوية أو نفي قبل ما تصل القاضي.هذه ليست رفاهية. هذا استثمار في منع الفساد. صحافة حرة يساوي مال عام محمي.فقانون المعلوماتية ليس عدواً للصحافة، كما أن الصحافة ليست عدواً للقانون. العداء الحقيقي يبدأ حين يتحول القانون من حارس للمجتمع إلى درع للنفوذ، وحين تتحول الصحافة من كاشفة للحقيقة إلى صانعةللتشهير فالسودان اليوم يدفع ثمن غياب المواءمة مرتين: مرة بفقدان صحفيين في السجون، ومرة بفقدان معلومات كان يمكن أن تمنع فساداً أو تنقذ مالاً عاماً. وفي بلد يخوض حرباً ويحاول النهوض من تحت الركام، لا رفاهية لهدر أي من الموردين الحرية الصحفية ليست امتيازاً للصحفي. هي ضمانة للمواطن. وحين تُسجن كلمة، فإن الذي يُسجن معها هو حقك في أن تعرف من يدير مالك، ولماذا تضخمت ثروة البعض بينما ينهار وطن.فالسؤال لم يعد: هل نحتاج قانوناً للمعلوماتية السؤال الآن: أي قانون نريد؟ قانون يخيف الكلمة، أم قانون يحميها لتخدم الوطن والمواطن وترسم طريقٱ لبناء سودان النهضة والتقدم والإزدهار ؟
*عبد المعز حسين المكابرابي*




