حكومة الأمل ودبلوماسية الحرب

*حكومة الأمل ودبلوماسية الحرب*

➖🟢➖

   لماذا لا يستثمر الدكتور كامل إدريس رئيس الوزراء، الفرصة السياسية المتاحة الان؟، لإعادة صياغة موقع السودان في المشهدين الإقليمي والدولي، عبر توظيف الضغط السياسي والإعلامي والدبلوماسي لإخراج البلاد من الحرب وتصنيف ميليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية.

 تبدو الحاجة ملحّة ليطلق إدريس مبادرة شاملة تحت اسم “مبادرة السلام واستعادة الأمن”، تُقدَّم كخيار سوداني خالص يوازي مبادرات الهدنة المطروحة، وتُعرض على عدد من الدول ذات المواقف المتوازنة مثل الصين وروسيا وتركيا وباكستان ومصر والسعودية والجزائر وقطر.

تقوم المبادرة على وقف القتال بانسحاب المتمردين من دارفور وكردفان وتنفيذ اتفاق جدة ووقف الدعم الخارجي للمليشيا، تمهيدًا لـحلٍّ سياسي شامل يمضي بالتوازي مع الترتيبات الأمنية، يعالج جذور الأزمة على غرار التسوية السياسية ما بعد ثورة 21 أكتوبر 1964، بما يُعيد المبادرة للداخل ويُنهي احتكار الخارج لخطاب السلام الزائف .

ولتحقيق ذلك يتعيّن على رئيس الوزراء تبنّي رؤية سياسية متكاملة تستند إلى فهمٍ عميق لتوازنات الداخل ومعادلات القوى الإقليمية والدولية، بعدما أظهرت التجربة الماضية ضعف السياسة الخارجية وتردد مواقفها وغياب الرؤية، مما حال دون بناء تحالفات منتجة تعبّر عن مصالح الدولة وأمنها

إن الانشغال بمحاولة كسب رضا الغرب، دون تنويع الشراكات باتجاه القوى الصاعدة كالصين وروسيا وتركيا ، أفقد السودان فرصًا استراتيجية كان يمكن أن تُشكّل درعًا دبلوماسيةً تحميه من الضغوط الخارجية.

فالتحالفات الدولية تعتبر حسابات مصالح. فتركيا مثلًا نجحت في الجمع بين عضويتها في حلف الناتو وعلاقاتها المتينة مع روسيا والصين، بينما انتهجت الهند سياسةً متعددة الأقطاب سمحت لها بالتعاون مع القوى الكبرى كافة دون التفريط في استقلالها. كذلك المملكة العربية السعودية وقطر.

 فيما قدّمت إثيوبيا وجنوب أفريقيا ورواندا في القارة السمراء نماذج ناجحة لإدارة التوازن بين الشرق والغرب دون التفريط في القرار الوطني.

أما السودان، فما زال أسيرًا لذهنية الحرب الباردة، يميل إلى الاصطفاف مع محورٍ واحد، في وقتٍ تتجه فيه معظم الدول إلى سياساتٍ مرنةٍ ومتعددة الأقطاب. هذا الخلل أضعف الموقف السوداني دوليًا، وترك البلاد بلا مظلةٍ قادرة على حمايتها من الابتزاز السياسي والإعلامي.

وفي الجانب القانوني، فتحت الجرائم المروعة في مدينة الفاشر نافذةً يمكن استثمارها بذكاءٍ سياسي. فبيان مجلس الأمن و مكتب الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية حول جرائم الدعم السريع يمثل فرصة استراتيجية للحكومة السودانية لتوظيف القانون الدولي كأداة ضغطٍ فعالة يمكنها استغلالها.

لكن تحويل هذه الإدانة إلى مسارٍ قضائي ضد داعمي المليشيا، خصوصًا من خارج السودان، يتطلب عملًا قانونيًا منظمًا وموثّقًا، يتضمّن ملفات تحتوي على أسماء، وشركات، وأدلة تمويل وتسليح. وإذا بادرت المؤسسات العدلية السودانية إلى تقديم هذه الملفات، فقد تُفتح بذلك تحقيقات لإدانة المليشيا وداعميها الاقليمين ومن ثم تصنيفها كمنظمة ارهابية.

تفتقر الحكومة السودانية إلى أدوات تواصل رقمية فعّالة حساب في” منصة اكس” مثلا لرئيس الوزراء ومجلس السيادة، مما يضعف حضورها في الفضاء الإعلامي الذي تُدار فيه المعارك السياسية اليوم. هذا الغياب يفتح الباب أمام الإشاعات ويُضعف سردية الدولة أمام الرأي العام الدولي. فالحرب الحالية كشفت حاجة السودان إلى قوة سياسية ودبلوماسية تُوازي تفوقه العسكري، إذ ما تزال بلادنا ضعيفة في الخطاب والسياسة.

تمكّن الجيش السوداني من منع انهيار الدولة، غير أن غياب الخطاب الرسمي الفاعل في الساحة الدولية أتاح للآخرين فرصة تشويه الصورة وفرض سرديات مضللة. ومع أن الحضور الدبلوماسي بدأ يتعافى مؤخرًا، إلا أن الضغوط على السودان ما تزال قائمة دون محاسبة حقيقية للميليشيا المتسببة في الحرب. لذا، على “حكومة الأمل” أن تُبرهن أنها مشروع وطني لإعادة بناء الدولة برؤية واضحة، لا مجرد إدارة ظرفية للأزمة.

التحرك المطلوب اليوم ليس استقبال الوفود والعمل الاجتماعي ، بل في تأسيس دبلوماسية حربٍ قادرةٍ على تحويل ضغط الميدان إلى ورقة سياسية. هذه الدبلوماسية ينبغي أن تقوم على ركائز رئيسية:

أولًا: يجب إعادة تعريف الصراع دوليًا باعتباره حربَ دولةٍ ضد ميليشيا متمردة مدعومة خارجيًا، لا نزاعًا أهليًا بين طرفين متكافئين، فذلك يشكل المدخل القانوني والسياسي الذي يعيد تموضع السودان دوليًا ويتيح تحريك ملفات المساءلة ضد ممولي الحرب ومرتكبي جرائمها.

ثانيا :ما جرى في الفاشر يجب ألا يُترك للتقارير الحقوقية فقط، بل يُترجم إلى ملفاتٍ موثقةٍ تُقدَّم رسميًا إلى مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية، والمنظمات الإقليمية ليصبح القانون سلاح ردعٍ سياسي لا مجرد أداة إدانة.

الثالث، وهو الأهم: إعادة بناء التحالفات الخارجية على أساس التوازن والمصلحة الوطنية، إذ إن الارتهان لمحور واحد أو انتظار المواقف الغربية خطأ استراتيجي . ينبغي أن تنفتح السياسة السودانية على القوى الصاعدة كالصين وروسيا وتركيا وماليزيا ، مع تعزيز الروابط العربية والإفريقية.

دبلوماسية الحرب ليست تبريراً للعنف بل توظيف للعقل المبدع، الدولة التي تحارب بلا خطاب تهدر قوتها، والتي توحّد بين البندقية والسياسة تكتب مستقبلها. نجاح الحكومة في مزج القوة العسكرية بالحضور السياسي والضغط الإعلامي سيحوّل الأزمة إلى نقطة انطلاق نحو سياسة خارجية فاعلة ، وقد بدا السفراء بالخارج الأسبوع الماضي تحركا متأخر لرسم خريطة المقاومة عبر المؤتمرات الصحفية لنصرة الوطن، لذا يجب مواصلة هذا الدفع بنفس الوتيرة ليصحو ضمير العالم وتنتزاع الحقوق.

وفقًا لـ #وجه_الحقيقة، فإن السودان يحتاج إلى قيادةٍ منتبهة تمتلك رؤيةً استراتيجيةً ، تجمع بين الحزم وحسن التدبير والذكاء الدبلوماسي، وتستثمر القانون الدولي والإعلام العالمي لحماية السيادة وترسيخ الشرعية.

دمتم بخيرٍ وعافية.

*ابراهيم شقلاوي*

الثلاثاء 4 نوفمبر 2025م Shglawi55@gmail.com

______________

*للانضمام لـ(مهرة3)علي الواتساب:*

https://chat.whatsapp.com/Dwji6CRlWmt50P2eki1C5U

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • Related Posts

    ( كٌنت هناك )

    *( كٌنت هناك )* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* قلت للزملاء الذين رافقوني في العودة للخرطوم ونحن مجتمعين أنا أٌريد ان أبدأ عودتي للخرطوم بتحية صرح يستحق منا جميعاً التحية والاحترام قال لي أحد الزملاء : ح نبتدئ بالجهة الفلانية قلت له لا بدايتنا ح تكون بوزارة الداخلية و سنكون مع الشرطة السودانية أولادنا الغٌبش مشهدا مشهدا ورواية رواية. الجهاز الذي ينبض بالرجال الأوفياء أصحاب البال الطويل والحنكة الذين كلما رشقتهم حجارتنا أو وصلتهم إساءتنا تحملوها بكل جلد وصبر وحكمة ونكران ذات وقالوا هذا برد وسلام علينا بمبدأ انتوا اغلطوا ونحن بنفتش ليكم الأعذار … الشرطة التي تحملت فوق طاقتها وفوق احتمالية أفرادها لكنها ظلت تقدم في كل الأمكنة .. قدمت في الحرب مئات الشهداء وعشرات الجرحى وجمعا من المفقودين وظلت أيضاً صامدة وصابرة ومحتسبة ولكم في الاحتياطي المركزي مثال رمزية تفوق الجبال شموخا … جلست إلى كبار ضٌباط الشرطة وفي مقدمتهم السيد / الفريق أول حقوقي / أمير عبدالمنعم المدير العام للشرطة هذا الرجل عسكري بوليس حقيقي رجل صارم وحاذق وحافظ لوحه تماماً تهابه حتي وإن كٌنت مٌلما بكل المعلومات فيحدثك حديث العارفين ببواطن الأمور ومرونة القيادة وإقتراح الحلول في وقت صعب .. جلست إلى الأفراد العسكرين لاحظت فيهم الصرامة والاهتمام بالتواصل مع المجتمع والقٌرب منه امتثالاً لشعار (الشرطة في خدمة الشعب) … ورأيت أن الشرطة ترجمت ذلك في التسهيل والتعاون بتبسيط الخدمات في مجالات عديدة أهمها الأمن وتحمل المسؤولية التامة في ظل تحديات كبيرة بأقل الإمكانيات وأعظم الرجال .. دخلت مباني النجدة والعمليات وجدت المهتمين بالأمر على أهبة الاستعداد للاستجابة الفورية للبلاغات عبر الرقم ( 999 ) أو دوريات النجدة المنتشرة في المحليات سألت المسؤول الأول و هو ضابط برتبة متقدمة (هل اتصل بكم مواطن لنجدته ولم تفعلوا )؟ أجابني بروح طيبة نحن قاعدين هنا عشان خدمة المواطن وما بننوم وكل من أراد الفزعة نحن في خدمته … باغته بسؤال خيالي يا سعادتك في مواطن اتصل ولم يحدث تعاون من جانبكم ؟ أجابني جيبي توقيت الاتصال وأعدك أن هذا لم ولن يحدث قط بإذن الله… دلفت منهم إلى الارتكازات وفي كبري النيل الأبيض وجدت الشرطة الأمنية حاضرة وواعية تماماً ومدركة لحساسية الوضع لاحظتهم واقفين في منتصف الكبري لمتابعة السيارات وما تحمله من أشياء في متابعة لصيقة للمواطنيين أعجبتني الهمة العالية والروح الوثابة … وفوق هذا وذاك وجدت الناطق الرسمي للشرطة .. رجل نشط كالنحلة متعاون مع الإعلام ويتعامل بمبدأ الشراكة الذكية بين الأجهزة الأمنية والإعلام .. دخلت رئاسة شرطة ولاية الخرطوم شاهدت الخرطوم العاصمة كلها من غرفة السيطرة والتحكم المواقع و الارتكازات مرور الدوريات و متابعة الشارع العام كله موجود في شاشة وأمامها يجلس كبار الضٌباط بالساعات الطِوال ويظهر عليهم التعب والإرهاق لفكرة التركيز الشديد في متابعة الشاشة حتي لا تضيع منهم لقطة او لمحة علها تكون مدخلا لجريمة أو حدا من حدوث بعض ظواهر النهب والسرقة وغيرها من الجرائم … خرجت من ديار الشرطة بغالبية أفرعها بأن الشرطة السودانية بخير وأنها حريصة على حماية المدنيين بعين ساهرة على الدوام .. لكن إن كان لدي من رسائل : ▪️أولاً : رفع مرتبات المنتسبين للشرطة السودانية حتى يستقر وضعهم المادي نسبياً فهم بشر ولديهم التزاماتهم الأسرية وغيرها … ▪️ثانياً للمواطن : أن يٌعطي الشرطة كامل الاحترام والتقدير اللازم وأن يضعها في مقام الشريك الصديق .. ▪️وثالثاً : لضباط وأفراد الشرطة السودانية أن يجعلوا المواطن هو بمثابة ابنهم البِكر خوفاً واحتواء … ▪️أما أنا فتحيتي خاصة لكل الشرطة السودانية حيّاكم الغمام …. ( قريباً أحدثكم عن رجل عظيم أسمه بابكر سمره ) وبس … *عائشة الماجدي* __________…

    Read more

    Continue reading
    عن أرباح العدوان

    *عن أرباح العدوان!* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* * الذين يدافعون عن العدوان الإماراتي، ويهاجمون منتقديه، لا يقدمون معلومات تلغي المعلوم يقيناً، أو تشكك فيه وتجعله محل تساؤل. المعلومة الوحيدة التي يقدمونها هي أنهم فريق دفاع سوداني، والتساؤل الوحيد الذي يثيرونه يتعلق بمقدار “أتعابهم”! * عندما يعددون الحيل الدفاعية فإنهم في الحقيقة يعددون مصالحهم، فكل حيلة تحدث الناس عن مصلحة ولا تحدثهم عن حجة، ليكون أكثرها ضعفاً هو أكثرها حديثاً عن المصلحة! * وليدل مجموع الحيل على مقدار تركيزهم على إرضاء المعتدي أكثر من الإقناع، وابتعادهم عن الوطن والمواطنين، والأذى الذي يقبلونه لهم إذا تعاكست المصالح! * يدل تمسكهم بالاستمرار في الدفاع عن العدوان ــ رغم أن ردود الفعل تثبت بشكل قاطع أنه يفضح ولا يقنع ــ على قناعتهم بأن ربحهم من العدوان أكبر من خسارتهم، وأن سمعتهم أقل أهميةً من مصلحتهم! * لو كانوا صادقين، مع أنفسهم ومع الناس، ومقتنعين بصحة منطق المصلحة من العدوان، وبوجود مصلحة عامة من الأصل، لحاولوا إقناع الناس بمشاركتهم في الدفاع عن العدوان عبر محاولة إقناعهم بأن مصلحة الوطن والمواطنين منه أكبر من الخسارة، تماماً كحالهم هم! *إبراهيم عثمان* __________ *لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽 https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *