“سقوط الفاشر… انهيار الجدران، كشف الزيف، وتعرية الضمائر “

*”سقوط الفاشر… انهيار الجدران، كشف الزيف، وتعرية الضمائر*

➖🟢➖

شهدت مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، واحدة من أكثر المآسي المعقدة في الحرب السودانية، ليس فقط من حيث الدمار الإنساني والعسكري، بل من حيث انكشاف شبكة اقتصاد الظل وتجار الأزمات الذين تغذوا على معاناة المواطنين حتى لحظة السقوط الأخيرة.

لأشهر طويلة، عاش سكان الفاشر في قبضة حصار خانق، لا غذاء ولا دواء ولا وقود. كانت الحياة اليومية هناك معركة بقاء مفتوحة أمام الجوع والخوف، بينما تقاطعت مصالح القوى العسكرية والاقتصادية في لعبة قاسية لا يدفع ثمنها سوى المدنيين.

في تلك الأيام القاتمة، ظن الأهالي أن القوي الذي يدافع عنهم يقاتل من أجل حماية المدينة، لكن الحقيقة كانت أكثر قسوة. الحصار كان ممنهجاً، والجوع كان أداة ضغط، والمال أصبح لغة الولاء والنجاة.

مع انهيار الإمدادات وانعدام الثقة، ظهرت اقتصاديات الظل التي تحكمت في السوق والناس معاً.

تحول الكاش إلى سلاح، وبدأت المضاربات بين «الكاش وبنكك» ترتفع إلى مستويات غير مسبوقة، حيث باع حاميها وبعض المتنفذين المواد التموينية والدواء بأسعار فلكية، في وقت كانت فيه الأسر تبحث عن لقمة تسند بها أطفالها.

كل شيء أصبح للبيع: الغذاء، الدواء، وحتى الأمل. كانت المعاناة اليومية تُدار من وراء المكاتب والمخازن، بينما يموت الناس بصمت في الأحياء المحاصرة.

في خلفية المشهد، كانت هناك تحركات عسكرية مشبوهة، وصمت رسمي يثير الريبة. لم يكن ما يجري مجرد حصار عسكري، بل عملية سياسية واقتصادية موجهة لإضعاف المدينة تمهيداً لتسليمها.

عندما اقتربت ساعة الصفر، بدا كل شيء مرتباً مسبقاً — من خطوط الانسحاب إلى الممرات الآمنة التي فتحت فجأة — وكأن سقوط الفاشر كان صفقة مكتملة البنود، لولا تمسك بعض المقاتلين المدنيين والشركاء الميدانيين بمواصلة القتال دفاعاً عن الأرض والعرض.

تكشف تجربة الفاشر أن الحرب في السودان لم تكن مجرد مواجهة بين جيش ومليشيا ، بل حرب اقتصادية متعددة الطبقات.

اقتصاديات الظل — وهي الأنشطة غير الرسمية التي تغذي نفسها من الفساد والتهريب والاحتكار — ازدهرت خلال فترة الحصار. تحولت الموارد إلى أداة للابتزاز، وأصبح التحكم في السلعة أهم من الدفاع عن الأرض.

لقد وجد تجار الحرب في المعاناة مصدراً للثراء، وفي الفوضى بيئة مثالية لتوسيع نفوذهم.

وفي مشهد يؤكد أن سقوط الفاشر كان حلماً طال انتظاره، تبرز الهدنة كأنها عروس زُفّت يوم وفاة زوجها؛ بهجة شكلية تُخفي خلفها مرارة الفقد، وابتسامة سياسية فوق ركام مدينة أنهكها الحصار والدمار.

لقد جاءت الهدنة متأخرة، بعد أن فقدت الفاشر أبناءها وبيوتها وأسواقها، لتعلن للعالم أن السلام الذي يأتي بعد الخراب لا يُعيد الحياة، بل يذكّر بما ضاع منها.

عندما سقطت الفاشر، لم تسقط كمدينة فقط، بل سقطت معها الأقنعة: أقنعة الوطنية الزائفة، وأقنعة الشعارات التي تخفي وراءها تجارة بالدماء والمعاناة.

لقد كشفت المأساة أن المعركة لم تكن دائماً من أجل الوطن، بل من أجل الحسابات البنكية والصفقات المضمونة، وأن الجوع لم يكن صدفة، بل سياسة.

اليوم، وبين أنقاض الفاشر، لا يزال الناس يبحثون عن تفسير لما حدث. لكن الحقيقة الواضحة أن سقوط المدينة كان نتيجة طبيعية لتحالف الجشع مع الصمت، والخيانة مع الطمع.

وستظل الفاشر شاهدة على أن الحروب لا تُدار بالسلاح فقط، بل بالمال والمصالح — وأن تجار الأزمات أخطر من أي مليشيا أو طائرة مسيّرة.

*مريم علي*

4 نوفمبر 2025

______________

*للانضمام لـ(مهرة10)علي الواتساب:*

https://chat.whatsapp.com/HtxbOMJTKLLAMJGMMEsOIH

  • Related Posts

    ( كٌنت هناك )

    *( كٌنت هناك )* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* قلت للزملاء الذين رافقوني في العودة للخرطوم ونحن مجتمعين أنا أٌريد ان أبدأ عودتي للخرطوم بتحية صرح يستحق منا جميعاً التحية والاحترام قال لي أحد الزملاء : ح نبتدئ بالجهة الفلانية قلت له لا بدايتنا ح تكون بوزارة الداخلية و سنكون مع الشرطة السودانية أولادنا الغٌبش مشهدا مشهدا ورواية رواية. الجهاز الذي ينبض بالرجال الأوفياء أصحاب البال الطويل والحنكة الذين كلما رشقتهم حجارتنا أو وصلتهم إساءتنا تحملوها بكل جلد وصبر وحكمة ونكران ذات وقالوا هذا برد وسلام علينا بمبدأ انتوا اغلطوا ونحن بنفتش ليكم الأعذار … الشرطة التي تحملت فوق طاقتها وفوق احتمالية أفرادها لكنها ظلت تقدم في كل الأمكنة .. قدمت في الحرب مئات الشهداء وعشرات الجرحى وجمعا من المفقودين وظلت أيضاً صامدة وصابرة ومحتسبة ولكم في الاحتياطي المركزي مثال رمزية تفوق الجبال شموخا … جلست إلى كبار ضٌباط الشرطة وفي مقدمتهم السيد / الفريق أول حقوقي / أمير عبدالمنعم المدير العام للشرطة هذا الرجل عسكري بوليس حقيقي رجل صارم وحاذق وحافظ لوحه تماماً تهابه حتي وإن كٌنت مٌلما بكل المعلومات فيحدثك حديث العارفين ببواطن الأمور ومرونة القيادة وإقتراح الحلول في وقت صعب .. جلست إلى الأفراد العسكرين لاحظت فيهم الصرامة والاهتمام بالتواصل مع المجتمع والقٌرب منه امتثالاً لشعار (الشرطة في خدمة الشعب) … ورأيت أن الشرطة ترجمت ذلك في التسهيل والتعاون بتبسيط الخدمات في مجالات عديدة أهمها الأمن وتحمل المسؤولية التامة في ظل تحديات كبيرة بأقل الإمكانيات وأعظم الرجال .. دخلت مباني النجدة والعمليات وجدت المهتمين بالأمر على أهبة الاستعداد للاستجابة الفورية للبلاغات عبر الرقم ( 999 ) أو دوريات النجدة المنتشرة في المحليات سألت المسؤول الأول و هو ضابط برتبة متقدمة (هل اتصل بكم مواطن لنجدته ولم تفعلوا )؟ أجابني بروح طيبة نحن قاعدين هنا عشان خدمة المواطن وما بننوم وكل من أراد الفزعة نحن في خدمته … باغته بسؤال خيالي يا سعادتك في مواطن اتصل ولم يحدث تعاون من جانبكم ؟ أجابني جيبي توقيت الاتصال وأعدك أن هذا لم ولن يحدث قط بإذن الله… دلفت منهم إلى الارتكازات وفي كبري النيل الأبيض وجدت الشرطة الأمنية حاضرة وواعية تماماً ومدركة لحساسية الوضع لاحظتهم واقفين في منتصف الكبري لمتابعة السيارات وما تحمله من أشياء في متابعة لصيقة للمواطنيين أعجبتني الهمة العالية والروح الوثابة … وفوق هذا وذاك وجدت الناطق الرسمي للشرطة .. رجل نشط كالنحلة متعاون مع الإعلام ويتعامل بمبدأ الشراكة الذكية بين الأجهزة الأمنية والإعلام .. دخلت رئاسة شرطة ولاية الخرطوم شاهدت الخرطوم العاصمة كلها من غرفة السيطرة والتحكم المواقع و الارتكازات مرور الدوريات و متابعة الشارع العام كله موجود في شاشة وأمامها يجلس كبار الضٌباط بالساعات الطِوال ويظهر عليهم التعب والإرهاق لفكرة التركيز الشديد في متابعة الشاشة حتي لا تضيع منهم لقطة او لمحة علها تكون مدخلا لجريمة أو حدا من حدوث بعض ظواهر النهب والسرقة وغيرها من الجرائم … خرجت من ديار الشرطة بغالبية أفرعها بأن الشرطة السودانية بخير وأنها حريصة على حماية المدنيين بعين ساهرة على الدوام .. لكن إن كان لدي من رسائل : ▪️أولاً : رفع مرتبات المنتسبين للشرطة السودانية حتى يستقر وضعهم المادي نسبياً فهم بشر ولديهم التزاماتهم الأسرية وغيرها … ▪️ثانياً للمواطن : أن يٌعطي الشرطة كامل الاحترام والتقدير اللازم وأن يضعها في مقام الشريك الصديق .. ▪️وثالثاً : لضباط وأفراد الشرطة السودانية أن يجعلوا المواطن هو بمثابة ابنهم البِكر خوفاً واحتواء … ▪️أما أنا فتحيتي خاصة لكل الشرطة السودانية حيّاكم الغمام …. ( قريباً أحدثكم عن رجل عظيم أسمه بابكر سمره ) وبس … *عائشة الماجدي* __________…

    Read more

    Continue reading
    عن أرباح العدوان

    *عن أرباح العدوان!* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* * الذين يدافعون عن العدوان الإماراتي، ويهاجمون منتقديه، لا يقدمون معلومات تلغي المعلوم يقيناً، أو تشكك فيه وتجعله محل تساؤل. المعلومة الوحيدة التي يقدمونها هي أنهم فريق دفاع سوداني، والتساؤل الوحيد الذي يثيرونه يتعلق بمقدار “أتعابهم”! * عندما يعددون الحيل الدفاعية فإنهم في الحقيقة يعددون مصالحهم، فكل حيلة تحدث الناس عن مصلحة ولا تحدثهم عن حجة، ليكون أكثرها ضعفاً هو أكثرها حديثاً عن المصلحة! * وليدل مجموع الحيل على مقدار تركيزهم على إرضاء المعتدي أكثر من الإقناع، وابتعادهم عن الوطن والمواطنين، والأذى الذي يقبلونه لهم إذا تعاكست المصالح! * يدل تمسكهم بالاستمرار في الدفاع عن العدوان ــ رغم أن ردود الفعل تثبت بشكل قاطع أنه يفضح ولا يقنع ــ على قناعتهم بأن ربحهم من العدوان أكبر من خسارتهم، وأن سمعتهم أقل أهميةً من مصلحتهم! * لو كانوا صادقين، مع أنفسهم ومع الناس، ومقتنعين بصحة منطق المصلحة من العدوان، وبوجود مصلحة عامة من الأصل، لحاولوا إقناع الناس بمشاركتهم في الدفاع عن العدوان عبر محاولة إقناعهم بأن مصلحة الوطن والمواطنين منه أكبر من الخسارة، تماماً كحالهم هم! *إبراهيم عثمان* __________ *لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽 https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *