الخرطوم.. مشروع العودة الطوعية كاستحقاق تنموي

*الخرطوم.. مشروع العودة الطوعية كاستحقاق تنموي*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*

عوداً على بدء فإنّ حيوية الأمم لا تُقاس بقدرتها على التموضع فحسب، ولكن بعبقريتها في استيلاد الفجر من عتمة الأزمات. واليوم، تقف ولاية الخرطوم أمام منحى تاريخي يتجاوز مفهوم “السكن” إلى آفاق “التوطين المنتج”. فإن العودة الطوعية التي نرتجيها ليست ارتداداً مكانياً لمواطنٍ أرهقه النزوح، إنما هي “هجرة عكسية نحو الإنتاج”، وملحمةٌ وطنية قوامها استنهاض السواعد واستنبات الأمل في حواضن العمل.
إن الرهان على المشروعات الصغيرة هو استراتيجية العبور الكبير وتحقيق المطلوب بأقصر وقت ، نحن بحاجة إلى تحويل التمويل من صيغته “الإقراضية” الجامدة إلى صيغته “التنموية” الفاعلة. لأن تفعيل هذا المسار هو الكفيل بتجفيف منابع العوز، وتحويل “العائدين” من مستهلكين للخدمات إلى منتجين للقيم المضافة، لاسيما في قطاعي الزراعة والصناعات التحويلية الصغيرة، حيث تكمن عبقرية الأرض وطاقة الإنسان.
ومعلوم أن استشراف المستقبل يمر حتماً عبر “جسر التقييم”. فبالنظر إلى تجاربنا السابقة – كمؤسسة التنمية الاجتماعية والمصارف الوطنية – نجد أن النوايا الحسنة لم تكن كافية لكسر أغلال البيروقراطية. والانطلاق نحو الهدف المرجو
إننا ندعو اليوم إلى ثورة في المفاهيم المصرفية والتمويلية يتولاها البنك المركزي فلا معنى لبنوكٍ تُوصد أبوابها بمتطلبات “الضمانات التعجيزية” أمام طموحات الشباب. إن المطلوب هو استنهاض هذه المؤسسات لتكون “شريكاً في المخاطرة” لا “متفرجاً على الفشل”، وعليها أن تبسط إجراءاتها لدرجة تلامس طموح البسيط في سوقه، والمزارع في حقله، والصانع في ورشته.
ولن تستقيم العودة ما لم تُدعم بـ جرعات وعيٍ مكثفة ، تعيد صياغة العقلية الاقتصادية للمواطن وتدمجها في قلبها دون خوف أو وجل ، كما يجب أن يتحول الوعي بالإنتاج الزراعي والصناعي إلى “ثقافة مجتمعية” تتجاوز الطرق التقليدية نحو آفاق الحداثة والتقانة.
وهنا، نضع قطاع الشباب في قلب المعادلة ، فهم الرصيد الاستراتيجي والذخيرة الحية للإعمار. إن تيسير سبل الإنتاج أمامهم هو الضمانة الوحيدة لتقليل حدة الفقر، ورفع مستوى دخل الأفراد، وصولاً إلى “الاكتفاء الذاتي” الذي يحصن المجتمع من عوارض العوز وذل الحاجة.
إن دعوة المواطنين للعودة إلى الخرطوم يجب أن تكون مقرونةً بميثاق إعمار شامل، تلتزم فيه الدولة بالتمكين، والمؤسسات بالتبسيط، والمواطن بالإنتاج. إنها دعوة لاستعادة “روح المدينة” التي لا تنام إلا على صليل المعاول وأزيز المصانع وهدير المحارث.
ليكن شعارنا في هذه المرحلة: نعود لنبني، ونبني لنبقى ، فالخرطوم لا تستحق منا أقل من أن نجعلها واحةً للاكتفاء، ومنارةً للاقتصاد الوطني المتماسك، بسواعدٍ لا تعرف الكلل، وإرادةٍ لا تقبل الانكسار.
*د. اسماعيل الحكيم*
__________
*للانضمام لـ (مُهرة 7)*
https://chat.whatsapp.com/EJitnrxVB2hC4CtUswOq2U?mode=gi_t

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس…

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي…

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *