السودان… الغلاء فوق أرضٍ من الذهب
*السودان… الغلاء فوق أرضٍ من الذهب*
➖🟢➖
*(مُهرة نيوز)*
في العادة، ترتبط الأزمات الاقتصادية بندرة الموارد وضعف الإمكانات، لكن المأساة تصبح أكثر قسوة حين يطارد الغلاء شعبًا يعيش فوق أرض تُعد من أغنى بقاع المنطقة بالموارد الطبيعية. وهنا تكمن المفارقة المؤلمة في السودان.
فالسودان ليس بلدًا فقيرًا بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ بل يمتلك مساحات زراعية شاسعة، وثروات حيوانية ضخمة، وموارد معدنية متعددة، إلى جانب موقع جغرافي استراتيجي كان يمكن أن يجعله مركزًا اقتصاديًا مهمًا في المنطقة. ومع ذلك، يجد المواطن نفسه اليوم في مواجهة معركة يومية مع تكاليف الحياة، حيث أصبح توفير الأساسيات عبئًا يثقل كاهل الأسر بصورة غير مسبوقة.
لم يعد الغلاء مجرد ارتفاع عابر في الأسعار، بل تحول إلى واقع ضاغط يمس تفاصيل الحياة كافة؛ من الخبز والدواء إلى المواصلات والتعليم والخدمات الأساسية. ومع كل موجة تضخم جديدة، تتسع الفجوة بين الدخل الحقيقي ومتطلبات المعيشة، حتى بات كثير من الناس يشعرون أن قدرتهم على الاحتمال تُستنزف قبل نهاية كل شهر.
غير أن أخطر ما في الأزمة ليس الجانب المادي وحده، بل أثرها العميق على المجتمع. فعندما يصبح همّ المواطن هو النجاة اليومية، تتراجع الأحلام الكبرى، وتضعف روح المبادرة والإنتاج، ويتحول التفكير من بناء المستقبل إلى مجرد البحث عن الاستمرار. وهنا تبدأ المجتمعات في استنزاف طاقتها النفسية والاجتماعية، لا مواردها الاقتصادية فقط.
وفي جانب كبير من الأزمة، لا يرتبط الأمر بندرة الموارد بقدر ما يرتبط بطريقة إدارة الاقتصاد. فالجبايات والرسوم المتعددة التي تُفرض على المنتج والمزارع والتاجر والناقل، تنعكس في النهاية على سعر السلعة التي يتحملها المواطن البسيط. ومع تراكم هذه الأعباء، تتباطأ حركة الأسواق، ويضعف الإنتاج، وتزداد معاناة الناس.
فالاقتصاد لا ينهض بكثرة التحصيل، بل بقوة الإنتاج والاستقرار. والدول التي تدعم الزراعة والصناعة وتخفف العبء عن القطاعات المنتجة، هي الأقدر على بناء اقتصاد متوازن يخلق فرصًا حقيقية للحياة الكريمة.
ورغم قسوة الواقع، لا يزال السودان يملك فرصة حقيقية للنهوض بما يملكه من موارد وإنسان قادر على الصبر والعمل والبناء. غير أن ذلك يحتاج إلى رؤية اقتصادية عادلة، تُخفف الأعباء عن المواطن، وتحارب الفساد والاحتكار، وتعيد توجيه الثروات نحو التنمية الحقيقية بدل استنزافها في الأزمات المؤقتة.
فالأوطان لا تُقاس فقط بما تختزنه أرضها من خيرات، بل بما تمنحه لشعوبها من كرامة وأمل وقدرة على الحلم. ويبقى السؤال الذي يردده المواطن بصمت كل يوم: كيف لبلدٍ يملك كل هذه الثروات… أن يصبح أكبر أحلام شعبه مجرد حياة أقل قسوة؟
*…ابو يامن…..*




