اعمدة مهرة

على نار التكايا نضج معنى الوطن

*على نار التكايا نضج معنى الوطن*

➖🟢➖

*(مُهرة نيوز)*

في معاجم اللغة العربية، تعني “التكية” موضع الاتكاء والاعتماد، وهي في تاريخ المجتمعات الشرقية مكان للضيافة وإطعام المحتاجين وعابري السبيل. لكن بعض الكلمات تخرج من حدود المعنى اللغوي الضيق لتكتسب مع الزمن دلالات أوسع تصنعها الأحداث وتؤكدها المواقف. وهذا ما حدث تمامًا مع التكايا السودانية خلال الحرب الأخيرة.

ففي الوقت الذي عصفت فيه الحرب بمفاصل الحياة، وتراجعت فيه الخدمات، وتزايدت أعداد المحتاجين والنازحين، لم تنتظر التكايا قرارات أو توجيهات، بل ولدت من قلب المجتمع نفسه. نهض الشباب والنساء وكبار السن، واجتمعت الأيادي حول هدف واحد: ألا ينام جائع بين الناس ما دام في البيوت ما يمكن أن يُقتسم.

لم تكن التكايا مجرد مواقد للطعام، بل كانت مواقد للمعاني الكبرى. ففي كل وجبة قُدمت كان هناك درس في التكافل، وفي كل صف انتظار كانت هناك رسالة بأن المجتمع ما زال قادرًا على حماية نسيجه الإنساني رغم قسوة الظروف. وحين كانت الحرب تفرّق الناس قسرًا، كانت التكايا تجمعهم طوعًا حول قيمة إنسانية مشتركة تتجاوز الانتماءات الضيقة.

لقد كشفت هذه التجربة عن وجه السودان الحقيقي؛ ذلك الوجه الذي لا يظهر كثيرًا في نشرات الأخبار ولا في ضجيج الخلافات السياسية. وجهٌ يصنعه البسطاء حين يتقاسمون القليل، ويؤمنون بأن كرامة الإنسان لا تقل أهمية عن حاجته إلى الطعام. لذلك لم يكن أثر التكايا ماديًا فحسب، بل كان نفسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا، إذ منحت الناس شعورًا بالأمان في زمن الخوف، وبالانتماء في زمن التشظي.

ومن أعمق ما أفرزته هذه التجربة أنها أعادت تعريف مفهوم الوطن لدى كثيرين. فالوطن ليس فقط أرضًا وحدودًا ومؤسسات، بل شبكة من القيم التي تجعل الناس سندًا لبعضهم البعض عندما تتعثر الحياة. والوطن الحقيقي هو الذي يظهر في لحظات الشدة، حين يتحول العطاء إلى واجب أخلاقي، والتراحم إلى ضرورة للبقاء.

قد تنتهي الحرب يومًا، وتعود عجلة الحياة إلى الدوران، لكن التكايا ستبقى واحدة من أجمل الشواهد على قوة المجتمع السوداني. فهي لم تكن مشروعًا للإغاثة فحسب، بل مشروعًا لحفظ الكرامة الإنسانية، وتجسيدًا عمليًا لمعاني الرحمة والتكافل والمسؤولية المشتركة.

وعندما يكتب التاريخ فصول هذه المرحلة، فلن يتذكر أصوات المدافع وحدها، بل سيتذكر أيضًا تلك المواقد البسيطة التي اشتعلت في الأحياء والقرى والمدن. هناك، على نار التكايا، لم ينضج الطعام فقط، بل نضج معنى الوطن، وتجلت حقيقة أن الشعوب العظيمة لا تُعرف بما تملكه في أوقات الرخاء، وإنما بما تمنحه لبعضها في أوقات المحن.

*…ابو يامن …*

 

زر الذهاب إلى الأعلى