أمـاني عثمـان… والانتظار الطويل

*أمـاني عثمـان… والانتظار الطويل*

➖🟢➖

يبدو أن الثنائي أماني الطويل وعثمان ميرغني قد عادا إلى الواجهة مجددًا، متحدين في النغمة ذاتها، والهدف ذاته، وإن اختلفت أدوات التعبير. كلاهما يمارس التحليل الرغائبي لا الواقعي، ويتقمص دور “المبشّر” بسلامٍ قادم على مقاس طموحاتهما، لا على مقاس تضحيات السودانيين.

من يتأمل ما يكتبه الاثنان في الأسابيع الأخيرة، يلحظ تناغمًا لافتًا في الخطاب، وترتيبًا في العناوين، وإيقاعًا واحدًا يدور حول فكرة مركزية: الانتظار. ينتظران أن تتوقف الحرب، لا لأنها أنهكت الشعب أو دمّرت الوطن، بل لأن توقفها قد يفتح الباب أمام عودة “المشروع القديم” الذي لم يغادر خيالهما — مشروع إعادة تدوير الوجوه التي لفظها الشارع، وتلميع الخونة الذين فرّوا عند أول رصاصة.

لقد آثرنا طويلاً الصمت عن تحليلاتهما الرغائبية، لا عجزًا عن الرد ولا تقليلًا من شأن ما يقولان، بل لإدراكنا أن الأمر لم يعد يتعلق بالفكر أو بالتحليل أو بمنطق الإقناع والاقتناع. فخطابهما تجاوز حدود الرأي إلى التوظيف السياسي البارد، حيث تغيب الإنسانية لتحضر المصلحة، ويُختزل الوطن في مقايضاتٍ وتحالفاتٍ خارجية.

لكن مجازر الفاشر الأخيرة كسرت جدار الصمت. تلك المجازر التي حرّكت الحجارة والجبال قبل أن تحرك ضمائر البشر، إلا هذا الثنائي!

قلوبهما كالحجارة أو أشد قسوة، وعقولُهما وأقلامُهما تستثمر وتقتات من دماء الأبرياء في الفاشر.

بل أكثر من ذلك — يستثمران دماء الفاشر في سوق التحليل لمن يرغب… تحليل بلا ضمير.

تواصل أماني الطويل تقديم نفسها كصوتٍ خبيرٍ بالشأن السوداني، لكنها في الحقيقة تُعيد إنتاج خطاب التسعينات المصري القديم الذي ينظر إلى السودان كـ”ملف”، لا كدولة ذات إرادة وسيادة.

أما عثمان ميرغني، فيكتب كما لو أنه يعيش في فقاعةٍ زمنية، يرفض الاعتراف بتحوّل الواقع السياسي والميداني، ويصرّ على انتظار تفاوض البرهان مع من خانوا الميدان وأشعلوا الحرب.

ما يجمع بين أماني وعثمان ليس الحياد ولا الحصافة التحليلية، بل التماثل في الدور: أدواتٌ لتلميع “حلٍّ مستورد” يُراد فرضه على السودان من الخارج، بمباركة أصوات داخلية فقدت صلتها بالواقع. إنه تحالف التحليل الرغائبي الذي يرفض الاعتراف بأن السودان تغيّر، وأن وعي شعبه تجاوز مرحلة الوصاية الفكرية والسياسية.

ولعل أكثر ما يفضح هذا التناغم هو تزامن نبراتهما: حين تتحدث أماني عن “الحوار القادم”، يكتب عثمان عن “ضرورة الحل السياسي”. وحين تلمّح هي إلى “تفاهمات القاهرة”، يلمّح هو إلى “اتصالات خلف الكواليس”. لكن الحقيقة أن لا تفاهمات، ولا اتصالات، إلا في خيالهم وخيال من يقف خلفهم.

إن ما تمارسه أماني من القاهرة، وما يردده عثمان من الخرطوم، ليس تحليلًا، بل تسويقٌ سياسيٌّ لأمنياتٍ خائبة. ينتظران نهاية الحرب على طريقة انتظار غودو، ينتظران مفاوضاتٍ لا وجود لها، وعودةً لن تحدث. لأن السودان ببساطة تجاوز تلك المرحلة، وماضٍ بثباتٍ نحو حسم مشروعه الوطني والسيادي بعيدًا عن الأوهام الخارجية والارتباطات المشبوهة.

إنه الانتظار الطويل… انتظار الخيبة القادمة، لمن رهنوا وعيهم وولاءهم لمشاريع الآخرين.

*عمار عركي*

_____________

*للانضمام لـ(مهرة9)علي الواتساب:*

https://chat.whatsapp.com/FdVAn09OvDX31a6FxssigL

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس فقيرًا، بل مُعطَّل. ليس عاجزًا، بل مُقيَّد بسوء الإدارة وتراكم الأزمات. أراضيه الزراعية الممتدة، موارده المعدنية، موقعه الجغرافي، وثروته الحيوانية—allها كفيلة بأن تجعل من أي وديعة استثمارًا رابحًا لا مخاطرة فيه، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية واضحة. إنها دعوة صادقة لكل من يستطيع أن يسهم: للدول الشقيقة، للمؤسسات المالية، ولرؤوس الأموال الباحثة عن الفرص. وديعة لشعب السودان… وديعة تُعيد الأمل، لا تُعمّق التبعية. وديعة تُبنى على المصالح المشتركة، لا على الاستغلال. فالكل فيها رابح، إن صلحت النوايا، واستقامت الرؤية. والأيام دول… وقد علمتنا التجارب أن الشعوب، مهما طال ليلها، لا بد أن ترى فجرها. نسأل الله أن تكون للسودان أيامٌ مقبلات، أيام نهوضٍ واستقرار، وصولاتٍ وجولات… *د. عبد الرؤوف قرناص* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي لهم وظيفة الحصول علي (مصاريف الإرتزاق) من الكفيل المغلوب علي أمره، فهؤلاء القوم (فات) عليهم ان (ماحاق) بتجارب الإنقلابات العسكرية والديمقراطيات من عدم الإستقرار والإضطراب ماعاد يغري أحداً ليفكر في (إجترارها) مرة أخري، فقد عفا عليها الزمن، والبرهان بل كل منسوبي المنظومة العسكرية (يفهمون) ذلك و(ينأون) عن الوقوع في (شراكه) ومآلاته المضنية..أما أن يلجأ البرهان (لصناعة شعبية) له، فهذا قول مردود فالقائد البرهان أصلاً (يتمتع) بهذه الشعبية المكتسبة من (حضوره المؤثر) في قيادة العمليات العسكرية وبما حققه الجيش والفصائل الاخري المشاركة من إ(نتصارات ساحقة) ضد التمرد، فهذه الشعبية (مستحقة) وهو جدير بها وليست تحت (التصنيع) كما يزعم المخبولون..!! *أما قيل عن وقوف السيد رئيس الوزراء مع (عودة) القحاتة للحكم بمايشبه التعاطف معهم، فهو أيضاً من قبيل الكذب، فعودة أو عدم عودة من ساندوا التمرد، (قرار من الشعب) ولايملك الحق فيه لا السيادي ولا الحكومة لأنهما ملتزمان بإرادة الشعب ويقاتلان من أجله عسكرياً ومدنياً..فالبرهان في قيادة الميدانية والتخطيط العسكري وبروف كامل في (معافرة ورهق) الخدمة المدنية وإحياء شرايينها لتعود أقوي…وهما هكذا في هذا (الهم الوطني) الكبير، لا تشغلهما (طموحات ذاتية)، ولايفكران إلا في تحقيق تطلعات الشعب..فاخسأوا ياعملاء الشتات، (فعزة ورفعة) الوطن والشعب هما (الشغل الشاغل) للسيادي والحكومة..!! سنكتب ونكتب…!!! *فتح الرحمن النحاس* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *