*السيناريو الجديد لحل المشكلة السودانية*
➖🟢➖
*مُهرة نيوز*
في ضوء زيارات السيد البرهان الى السعودية، مصر، تركيا، و مبادرة بروف كامل إدريس التي قدمها أمام مجلس الأمن،
يمكن فهم المشهد السوداني الراهن، ومسارات الحل المطروحة، من خلال قراءة التحولات الإقليمية والدولية التي طرأت على آليات إدارة الأزمة، وعلى رأسها ما عرف باللجنة الرباعية. فقد كانت هذه اللجنة، في مرحلة سابقة، الأداة الدولية الأساسية لإدارة الملف السوداني، وكانت تخضع لنفوذ إماراتي واضح، من خلال شراكة ثنائية مع بريطانيا.
غير أن خروج بريطانيا من الرباعية، واستبدالها بمصر، مثل نقطة تحول مفصلية، إذ فقدت الإمارات بذلك الثقل الذي كانت تستند إليه داخل هذه الآلية. ولكن جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال فيه إن ولي العهد السعودي طلب منه اتخاذ قرار كبير وأنه سيقوم بذلك القرار، ليشكل الضربة القاضية لنفوذ الإمارات السياسي داخل الرباعية، ولقدرتها على إدارة حربها غير على السودان عبر هذه المنصة.
بعد هذه التطورات، لم يتبق للإمارات من أدوات داخل المشهد السوداني سوى مليشيا الدعم السريع. غير أن هذه المليشيا نفسها تحولت من ورقة نفوذ إلى عبء استراتيجي بالغ الخطورة على دولة الإماراتية نفسها. فقد تم إثبات وتثبيت تهمة دعم الأمارات لمليشيا مسلحة متورطة في ارتكاب جرائم حرب، وهو ما وضع الإمارات في موقع الاتهام الدولي. وقد بلغ هذا الاتهام ذروته عندما تحدث وزير الخارجية الأمريكي الدور الإماراتي في السودان واسماه بشكل صريح بالتورط الاماراتي.
بذلك أصبحت الإمارات محاصرة سياسيا وأخلاقيا، ومدانة في الفضاء العام العالمي، عبر البرلمانات، ووسائل الإعلام، والجامعات، والصحف الدولية، كما أطلقت الشعوب حملات شعبية واسعة من بينها حملة قاطعوا الإمارات. تكمن أهمية هذا السرد في أنه يوضح بجلاء أن الإمارات انتقلت من موقع الفاعل الرئيسي في الأزمة السودانية إلى موقع المتهم، وهو تحول جوهري في موازين القوى هو الذي قاد الى سيناريو الحل المطروح.
في هذا السياق، أصبح الهدف الأمريكي الأساسي هو البحث عن كيفية التوصل إلى معادلة سياسية مقبولة توقف الحرب و في نفس الوقت تتيح إخراج الإمارات من هذه الورطة بأقل الخسائر الممكنة، دون تفجير صراع إقليمي مفتوح بين حلفائها. ومن هنا بدأت ملامح معادلة جديدة تتشكل، قوامها تراجع النفوذ الإماراتي وخروجها التدريجي من الملف السوداني، مقابل تقدم الدور السعودي وتسلمه وكالة إدارة القضية السودانية إقليميا.
وتقوم هذه المعادلة الجديدة ايضا على تشكيل حلف إقليمي يضم السعودية ومصر وتركيا وقطر، يتولى مهمة حل المشكلة السودانية وبناء مستقبل البلاد بالتنسيق مع الحكومة السودانية و وفق مبادرتها، على أن يتم ذلك بهدوء دون الدخول في مواجهة سياسية أو عسكرية مباشرة مع الإمارات، ومن دون توجيه إدانة رسمية لها، مقابل خروجها الصامت و الكامل من المشهد السوداني.
ومن أبرز معالم هذا السيناريو أيضا: خروج مليشيا الدعم السريع كمؤسسة من واقع ومستقبل السودان، وإنهاء دورها العسكري والسياسي كونها مدانة عالميا و كونها تموت تلقائيا بمجرد توقف الدعم الاماراتي عنها. كما يشمل السيناريو عقد مؤتمرات للمفاوضات والمصالحات الوطنية، إضافة إلى مؤتمرات إعادة الإعمار، كل ذلك برعاية و استضافة دولة قطرية، بما يعكس دورا محوريا لقطر في ادارة التفاوض و الحوار السوداني.
في هذا الإطار، تبرز حكومة السودان المدنية برئاسة كامل إدريس، لقيادة مهام التواصل مع المجتمع الدولي، وقيادة المبادرات، والمشاركة في المؤتمرات، و تفتح أمامها أبواب العواصم العالمية للتعامل مع السودان بقيادة مدنية، واستعادة موقعه الطبيعي في النظام الدولي. كما انها هي الممثل الشرعي و المعبر عن الرؤية الوطنية السودانية.
إذا كان هذا هو السيناريو المطروح، فمن هم الرابحون ومن هم الخاسرون؟
أولا، الولايات المتحدة الأمريكية تبارك هذا السيناريو لأنه يقدم لها بوصفه نجاحا دبلوماسيا لحكومة صنعت السلام في واحدة من أعقد القضايا الإقليمية. كما أنه يحافظ على علاقات الاحترام والتوازن بين وكلائها في المنطقة، من دون إدخالهم في صدامات مباشرة، ويحقق في الوقت نفسه هدف إخراج الإمارات من مأزقها السياسي والأخلاقي دون أن تفقد مكانتها الاقليمية رغم خسارة مشروعها في السودان.
ثانيا، الإمارات نفسها تخرج من هذا السيناريو وقد تخلصت من الورطة، دون أن تتعرض لعقوبات دولية مباشرة أو لإدانات رسمية قاطعة، وهو مكسب استراتيجي لها مقارنة بحجم التهم التي كانت تتهددها.
ثالثا، السعودية ومصر وتركيا وقطر تخرج رابحة لأنها تنال محبة الشعب السوداني أولا، وتسجل في رصيدها مساهمة حقيقية في صناعة السلام ثانيا، إضافة إلى إمساكها بملفات إعادة الإعمار والتنمية والاستثمار في السودان.
أما الشعب السوداني، فهو الرابح الأكبر في هذا السيناريو، إذ يتخلص بضربة واحدة من كابوس الإمارات، ومن المليشيا، ومن الحرب والجرائم، ويدخل مرحلة التعافي وبناء المستقبل، والحكم المدني، المفضي إلى انتخابات عبر التوافق والمفاوضات السياسية. نقطة جديرة بالتركيز عليها وهي أن هذا السيناريو يجنب السودان كارثة أن يكون ساحة تشتعل فيها حرب اقليمية بين اطرافها الغيرة و الحسد و التنافس على النفوذ لا يعلم مآلاتها و نهاياتها إلا الله. مهما قدموا من دعم إلا أن الخراب و الدماء السائلة و الارواح تظل سودانية على حساب الحاضر و المستقبل.
في المقابل، الخاسر الأول و الأكبر في هذا السيناريو هو مليشيا الدعم السريع، باعتبارها أداة استهلكت ووصلت إلى طريق مسدود، وانتهى بها الأمر إلى الإدانة العالمية بارتكاب كل أنواع الجرائم.
أما الخاسر الآخر، فليس الإمارات كدولة، بل مشروع الإمارات في السودان، ذلك المشروع الذي تم استبداله أخيرا بالمشروع الوطني السوداني، تحت مظلة إقليمية جديدة بقيادة السعودية، لبناء دولة سودانية مستقرة.
هذه الخطوط العريضة للسيناريو المحتمل أما تفاصيلها واليات تنفيذها و جداولها الزمنية جزء منها يستند الى مبادرة رئيس الوزراء كما أن الجزء الاخر منها يستند الى مخرجات الحوارات الوطنية المرتقبة. والله أعلم.
*د. محمد عثمان عوض الله*
26 ديسمبر 2025
____________
*للانضمام لـ (مُهرة 13)*
https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT













