*الآثار… ذاكرة الأوطان الثقافية*
➖🟢➖
*مُهرة نيوز*
ما كانت الآثار يوماً حجارةً صامتة، ولا بقايا زمنٍ غابرٍ أكلت أطرافه السنون، بل هي الذاكرة الحية للأمم، والشاهد الأمين على تعاقب الحضارات، والمرآة التي ترى فيها الشعوب ملامح هويتها الأولى. فالآثار في جوهرها، ليست ماضيًا غابراً، وإنما حاضرٌ ممتدّ، ومستقبلٌ يُبنى على أكتاف التاريخ.
إذ تمثل الآثار أحد أعمدة الاقتصاد الثقافي، وتُعد السياحة الثقافية من أنبل وأذكى أنماط الاستثمار، لما تحققه من عوائد اقتصادية مستدامة، وتوفير فرص عمل، وتنشيط للحركة التجارية، فضلًا عن دورها في تحسين صورة الدولة وتعزيز حضورها على خارطة العالم. فالدول التي أحسنت صون آثارها، أحسنت تسويق تاريخها، وحوّلت ذاكرتها إلى موردٍ سيادي لا ينضب.
وعلى مستوى أعمق، تُعرّف الآثار بالهوية الوطنية، وتُجسّد روح الحضارة، وتوثّق مسيرة التاريخ، وتشكّل الجسر الرابط بين الماضي والحاضر، ذاك الجسر الذي تعبر عليه الأجيال لتتعلّم من تجارب من مضوا، وتستقي من معينهم قيم الانتماء، ومعاني التضحية، ودروس العمران والبناء. وهي – بهذا المعنى – حاضنة القيم التراثية، ووعاءٌ حافظ للتراث الإنساني المشترك، وأداة تعليمية بليغة لا تعوّضها المناهج وحدها.
كما أن للآثار دورًا محوريًا في تعزيز التبادل الثقافي بين الشعوب والأمم، إذ تفتح نوافذ الفهم المتبادل، وتكسر حواجز الجهل، وتؤكد أن الحضارة الإنسانية نسيج واحد، تتلاقح فيه الثقافات وتتجاور فيه التجارب.
غير أن هذه الذاكرة الجمعية، وهذا الإرث الحضاري العميق، تعرّض في السودان لمحاولة اقتلاع ممنهجة خلال حرب الكرامة البائسة إذ لم تكتفِ المليشيا المتمردة بتدمير الحجر والبشر، بل سعت – عن وعيٍ وخبث – إلى تذويب الهوية السودانية، واستئصال رموزها، ومحوها من أطلس الجغرافيا والتاريخ، عبر نهب المتاحف والعبث بالآثار، وكأن الهدف كان قتل الذاكرة قبل قتل الإنسان.
لكن عناية السماء كانت حاضرة، وعين الله ناظرة لأهل السودان. ففي إنجاز وطني كبير، استطاع جهاز المخابرات العامة، بالتعاون مع وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، وهيئة الآثار، استعادة ما يقارب 29% من جملة الآثار المنهوبة من متاحف الخرطوم، في عمل احترافي دقيق، يُعد من العلامات الفارقة في معركة حماية الوعي والهوية، وإنجازًا لا تسعه صفحات التاريخ المعاصر.
إن استرداد الآثار لم يكن عملية أمنية ناجحة فحسب ، إنما هو انتصار رمزي عظيم، وطعنة قاتلة في خاصرة المليشيا، ورسالة واضحة بأن هوية السودان ليست سائبة، وأن ذاكرته عصيّة على السرقة، وأن هذا الوطن، مهما تكالبت عليه المؤامرات، يملك من الوعي والمؤسسات ما يحمي جذوره العميقة.
وانطلاقًا من هذه المسؤولية الوطنية، فإن الواجب الأخلاقي والقانوني يحتم على كل من عثر – داخل السودان أو خارجه – على أي قطعة أثرية، أن يبادر بتسليمها لجهات الاختصاص، فذلك ليس فقط إبراءً للذمة، بل مساهمة أصيلة في إعادة الإعمار، وبناء الوعي، وترميم ما حاولت الحرب تمزيقه في الوجدان قبل العمران.
فالآثار ليست ملك جيلٍ بعينه، بل أمانة في أعناق الجميع، ومن يحفظها إنما يحفظ تاريخ أمة، ويصون هوية وطن، ويكتب اسمه في سجل الشرف الوطني بحبرٍ لا يمحوه الزمن.
*د. إسماعيل الحكيم .*
Elhakeem.1973@gmail.com
____________
*للانضمام لـ (مُهرة 13)*
https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT











