المدينة التي كسرت ظهر الميليشيا،،استعادة ود مدني،، ملحمة عزيزة وذكرى مجيدة..

*المدينة التي كسرت ظهر الميليشيا،،استعادة ود مدني،، ملحمة عزيزة وذكرى مجيدة..*

خرج منها التمرد مندحراً، وبدأ معها العد التنازلي لانكساره في العاصمة..

*شكَّل (كيكل) حضوراً فاعلاً في لحظة سقوط مدني، وفي ملحة استرداها..*

الركابي: معركة استعادة ود مدني كانت أول مسمار دُق في نعش الجنجويد..

*تقرير: إسماعيل جبريل تيسو..*
➖▪️🔴▪️➖
*(مُهرة نيوز)*

تمر هذه الأيام الذكرى الأولى لاستعادة مدينة ود مدني، حاضرة ولاية الجزيرة، كواحدة من أهم المحطات المفصلية في مسار الحرب التي فُرضت على السودان، وكنقطة تحول استراتيجية أعادت رسم موازين القوة في وسط البلاد، ومهّدت الطريق لاندحار ميليشيا الدعم السريع من قلب الجغرافيا السودانية.

وفاة مشروع الميليشيا:
وشكّلت استعادة ود مدني قبل عام ضربة موجعة وقاصمة لظهر ميليشيا الدعم السريع في وسط السودان، إذ لم تكن المدينة مجرد عاصمة لولاية زراعية كبرى، بل عقدة مواصلات، وعمقاً لوجستياً، وثقلاً سكانياً واقتصادياً لا يمكن تجاوزه، ومع تحرير ود مدني، بدأت عملية تنظيف وسط السودان، حيث تتابعت الانتصارات باستعادة عدة مدن بولاية سنار، وأجزاء من ولاية النيل الأبيض، ما أدى عملياً إلى تقويض وجود الميليشيا في قلب البلاد، وتحويلها من قوة متمددة إلى مجموعات متفرقة فاقدة للتماسك، ويرى مراقبون أن تحرير ود مدني كان بمثابة إعلان شهادة وفاة المشروع العسكري لميليشيا الدعم السريع في وسط السودان، إذ فقدت بعدها القدرة على المناورة أو التمدد، وبدأ العد التنازلي لانكسارها في العاصمة الخرطوم نفسها، وخروجها مندحرة غرباً لتنحصر في عدة جيوب بإقليمي كردفان ودارفور يجري التعامل معها.

سقوط الأسئلة المؤجلة:
ورغم رمزية الاستعادة، لا تزال الطريقة التي سقطت بها مدينة ود مدني في يد الميليشيا تثير أسئلة ثقيلة لم تجد إجابات شافية حتى اليوم، فقد جاء السقوط دراماتيكياً، غريباً، ومريباً، دون مقاومة تتناسب مع ثقل المدينة ومكانتها، وتركزت الاتهامات حينها على قائد الفرقة الأولى مشاة مدني، اللواء أحمد الطيب الذي تمت إحالته إلى لجنة تحقيق، غير أن نتائج هذه اللجنة وتوصياتها ما تزال طي الكتمان، في غموض لا يقل عن غموض سقوط المدينة نفسه، هذا الغموض فتح الباب واسعاً للتكهنات، وعمّق جرح الثقة لدى الرأي العام، وجعل من ملف سقوط ود مدني واحداً من أكثر الملفات حساسية في الذاكرة الوطنية الحديثة.

مفارقة كيكل:
ومن بين أكثر المفارقات لفتاً للانتباه في مسار سقوط واستعادة ود مدني، يبرز الدور المفصلي والمعقّد الذي لعبه اللواء أبو عاقلة كيكل، قائد قوات درع السودان، فالرجل كان حاضراً في مشهد السقوط بصفته أحد القيادات العسكرية المنسوبة حينها إلى ميليشيا الدعم السريع، ومسؤولاً عن إدارتها العسكرية بولاية الجزيرة، ما جعله جزءاً من السياق الذي أفضى إلى انهيار المدينة وسقوطها في قبضة الميليشيا، غير أن المفارقة الأكبر تمثلت في التحول الجذري الذي طرأ على موقف كيكل لاحقاً، حين أعلن غسل يديه من ميليشيا الدعم السريع، وانحيازه الصريح للقوات المسلحة السودانية، في خطوة وُصفت بأنها قلبت موازين عديدة على الأرض، إذ لم يكن هذا الانحياز مجرد موقف سياسي أو إعلامي، بل تُرجم إلى فعل ميداني مباشر، أسهم فيه أبو عاقلة كيكل بدور فاعل في معركة استعادة ود مدني، وقد شكّل حضوره، بما يملكه من معرفة دقيقة بتضاريس الولاية وبنيتها الاجتماعية ومسارات تحرك الميليشيا، إضافة نوعية للقوات التي شاركت في التحرير، كما لعبت قوات درع السودان بالتنسيق مع القوات المسلحة والقوة المشتركة والقوات المساندة لها، دوراً مهماً في تطهير عدد من قرى ولاية الجزيرة من فلول الميليشيا المتمردة، وتأمين مناطق كانت قد تحولت إلى بؤر للانتهاكات والجرائم، وتختزل هذه المفارقة وفقاً لمراقبين مسار الحرب نفسها: إذ كيف يمكن لشخصية واحدة أن تكون شاهداً على لحظة السقوط، ثم فاعلاً في لحظة الاستعادة، وهو أمر يعكس تعقيدات المشهد السوداني، وتشابك الولاءات، وأهمية التحولات في كسر شوكة الميليشيا وتقويض مشروعها.

سقوط القناع:
لقد كشف سقوط مدينة ود مدني القناع كاملاً عن الوجه القبيح لميليشيا الدعم السريع، وأظهر طبيعة مشروعها القائم على استهداف المدنيين الأبرياء، وتدمير المجتمعات الآمنة، ونهب الموارد دون وازع أخلاقي أو وطني، فقد تحولت قرى ولاية الجزيرة، التي كانت تنعم بالأمن والاستقرار، إلى مسارح للقتل والانتهاكات، وكانت مجزرة قرية ود النورة، التي راح ضحيتها أكثر من 100 من المواطنين الأبرياء والعزل، في واحدة من أبشع الجرائم، تلتها فظائع أكبر في قرية السريحة التي راح ضحيتها نحو 140 قتيلاً وغيرها من قرى الولاية، إلى جانب ذلك، تعمدت الميليشيا تدمير البنيات التحتية الحيوية، بما في ذلك مشروع الجزيرة، وجامعة الجزيرة، ومؤسسات خدمية وتعليمية، في محاولة ممنهجة لكسر العمود الفقري الاقتصادي والاجتماعي لولاية الجزيرة.

صدمة وضغط هائل:
والواقع أن سقوط مدينة ود مدني، أحدث صدمة كبرى وضغطاً هائلاً على قيادة الدولة والقوات المسلحة، ليس فقط لأهمية المدينة، بل للطريقة المفاجئة التي خرجت بها من السيطرة، وقد عبّر الشارع السوداني عن غضبه وقلقه، ولم يهدأ له بال حتى عادت المدينة إلى حضن الوطن، ويرى مراقبون أن من بين أهم الدروس المستفادة من سقوط واستعادة ود مدني هي خطورة التراخي الأمني والاستخباري في المدن الحيوية، وضرورة وضوح سلاسل القيادة والمساءلة الصارمة، وأهمية الارتكاز على الحاضنة الشعبية في معارك التحرير، وأن استعادة الأرض لا تكتمل دون استعادة الثقة، وأما الاستعادة نفسها، فقد أثبتت أن الإرادة الوطنية، حين تتكامل مع التخطيط العسكري المحكم، قادرة على قلب الموازين مهما بدا المشهد معتماً.

ملحمة وطنية خالدة:
ويرى الباحث والكاتب الصحفي الركابي حسن يعقوب أن سقوط مدينة ود مدني، رغم كونه فاجعة مؤلمة للسودانيين، إلا أن معركة استردادها تحولت إلى ملحمة وطنية خالدة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، وأكد الركابي في إفادته للكرامة أن ود مدني ليست مدينة عادية، فهي في موضع القلب من جغرافيا السودان، وفي قلب كل سوداني، وأن معركة استعادتها كانت أول مسمار دُق في نعش الميليشيا الإرهابية، ومهدت الطريق لتحرير الخرطوم وطرد الميليشيا منها، وقال الركابي يعقوب إن استعادة ود مدني أدت إلى تفكك الميليشيا وتشتت قواها، وأسهمت بشكل مباشر في إفشال مخططها الرامي للتمدد في ولايات الجزيرة وسنار، وشرقاً نحو القضارف، وجنوباً في النيل الأبيض، وجنوب شرقاً في النيل الأزرق، مبيناً أن هذا التمدد، لو نجح، لشكَّل نجاحاً لمشروع الميليشيا الإرهابية الذي يُنفذ بالوكالة عن قوى إقليمية ودولية تسعى للهيمنة على موارد السودان وثرواته.

خاتمة مهمة:
ومهما يكن من أمر.. فإنه بعد مرور عام على استعادتها، تقف مدينة ود مدني اليوم كرمز للصمود، ودرسٍ قاسٍ في ثمن الغفلة، ودليلٍ ساطع على أن هذا الوطن، مهما تعثّر، فإنه قادر على النهوض، ذلك أن المدينة التي سقطت في لحظة غامضة، عادت في ملحمة واضحة المعالم، لتؤكد أن معركة السودان ليست معركة مدن فقط، بل معركة وعي، وإرادة، ومستقبل، وستظل مدينة ود مدني، بما جرى لها وما تحقق فيها، علامة فارقة في تاريخ الحرب، وشاهداً على أن طريق التحرير، وإن طال، لا بد أن ينتهي بالنصر.
__________
*لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽
https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

  • Related Posts

    الكاميرا الجارحة

    *الكاميرا الجارحة* ➖📸➖ *(مُهرة نيوز)* قام الاستعمار بوجهه الاستيطاني القبيح بهزيمة العالم العربي والإسلامي بوطأة الأسلحة المحرمة دوليًا، وهدموا كل الأنظمة الوطنية لتلك الدول ومزقوها بالحدود المتخيلة على طريقة (فرّق تسد)، واستنزفوا الموارد فلم يستبقوا شيئًا. وعندما خرجوا أبقوا على تلك العواصم الممزقة وكلائهم سادة وحكاما، من الذين تمت تربيتهم وتدريبهم على يد الصليبيين والصهاينة. وأخطر ما تم من مؤامرة كانت حركة التغريب ومسخ منظومة القيم للشعوب، حتى أصبح معيار التحضر عند تلك النخب الممسوخة أن تلبس زيهم وتتحدث لغتهم وتحاكي فجورهم المخبؤ والمعلن، وفتحوا البارات وبيوت الدعارة والمراقص وصالات القمار وأشاعوا الربا على رؤوس الأشهاد ومكّنوا له بالممارسة والقانون. ولخداع الجماهير أصبحوا يُلبسون قيمهم المستوردة والمزيفة عبارات وشعارات خادعة تدمّر الثوابت وتنافق المشاعر الساذجة، فأصبحت العلمانية هي العبارة المتداولة إعلاميًا، بديلًا عن ثوابت الإسلام وقوانينه وتشريعاته وأخلاقه ودوره الحركي في إعمار الحياة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإعلاميا وفنيا ورياضيا، وإحالة المصطفى صلى الله عليه وسلم من رسول وحاكم ومشرّع إلى مجرد درويش في غياهب التصوف السلبي والتعاويذ التمتمات، لتخلو لهم الحياة. ومن اللطائف التي تُروى في مجتمعات السودان فضحًا لهذه الحيلة أن مصنع البيرة في السودان تمت تسميته بمؤسسة التقطير الوطنية خوفًا من الاسم الحرام الصادم، وتم تعيين أحد المهندسين السودانيين مديرًا له بامتيازات ضخمة: فيلا فاخرة، وسيارتان، وراتب مفتوح، وأشياء أخرى لا تُقال. وفي أول يوم للتعيين وتوقيع العقد زار والده العامل البسيط بإحدى حارات أمدرمان الزاهدة المستعصمة بعزها القديم. قال لوالده في زهو وابتهاج : لقد تم تعييني مديرًا لمؤسسة التقطير الوطنية بامتيازات غير محدودة، وهذه سيارتي الفاخرة تقف في الخارج، وأرجو أن تزورني أنت والوالدة وإخواني وأخواتي في الفيلا الفاخرة في ضاحية الخرطوم حيث الأعيان والأثرياء. وكانت صدمة الابن بالغة زلزلت كيانه حين رفع والده العامل رأسه في شموخ وقال له بلغة صارمة رغم حزنها: يا خسارة! فبعد كل هذا الجهد والكد والعرق الذي بذلته في تربيتك وتعليمك تطلع لي (ست إندايه؟!). حينها أفاق الابن من غفلته، وخرج مهرولًا صوب السيارة لا يلوي على شيء، ليكون أول يوم عمل له في مصنع البيرة استقالته المزلزلة وحكايته التي أصبحت حديث المدينة. فهل ترغب، عزيزي القارئ، في إماطة اللثام عن عبارات من شاكلة العلمانية والمثلية والدولة الوطنية والتطبيع والجندرة وحقوق الإنسان؟ حاشية: (ست الإندايه) هي المرأة الساقطة التي تدير في أطراف القرى والمدن محلًا لبيع الخمور البلدية. ولمزيد عن الإنداية والعرقي والمريسة الرجاء الاستفادة من فتاوى وزير العدل السابق في حكومة الديسمبريين (نصر الدين مريسة). حسين خوجلي Colonialism, in its ugly settler guise, defeated the Arab and Islamic world through the weight of internationally prohibited weapons. It destroyed all national systems in those countries and tore them apart with imagined borders under the slogan of “divide and rule,” draining resources until nothing was left. When they withdrew, they left behind those shattered capitals with their agents as masters and rulers—men who had been raised and trained by the Crusaders and the Zionists. The most dangerous conspiracy they carried out was the drive for Westernization and the distortion of the peoples’ value systems, until the standard of “civilization” among those disfigured elites became to dress like them, speak their language, and imitate their concealed and overt debauchery. They opened bars, brothels, nightclubs, and gambling halls, spread usury openly, and entrenched it through practice and law. To deceive the masses, they clothed their imported, fabricated values in deceptive phrases and slogans that destroy constants and flatter naïve emotions. Thus “secularism” became the term circulated by the…

    Read more

    Continue reading
    مريض سُكّر فقد الوعي…أديهو جلكوز ولا إنسولين؟ ولييه؟

    *مريض سُكّر فقد الوعي…أديهو جلكوز ولا إنسولين؟ ولييه؟* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* #قبل ما نجاوب اسأل نفسك في الحالة دي شنو الأخطر؟ السكر العالي ولا الواطي؟ السكر الواطي (Hypoglycemia) أخطر من العالي (Hyperglycemia).. #ليه؟ لأنو السكر الواطي بيأثر على المخ مباشرة، ولو ما اتلحق الزول ممكن يدخل في غيبوبة ويمـ.وت. #طيب نعمل شنو لو لقينا زول سُكّر فقد الوعي؟ ما حتعرف حالتو شنو بالضبط (يعني سكر عالي ولا واطي)، خصوصاً لو ما عندك جهاز تقيس بيهو. لكن في الحالة دي اديهو جلكوز فوراً وما تديهو إنسولين نهائياً. #لييه؟ لو الزول ده عندو هبوط في السكر (Hypo) وأنت أديتو جلوكوز؟ عملت الصح… السكر حيرتفع ويصحى بإذن الله. لكن لو أديتو إنسولين؟ هنا الخطأ الكبير… لأنو الإنسولين حينزل السكر أكتر، وممكن يمـ.وت من نقص السكر في الدم. #طيب ممكن واحد يسألني ويقول لي: لو الزول ده كان سكره عالي (Hyper) وأديتو جلوكوز بالغلط؟ ما حيمـ.وت، حيرتفع السكر أكتر شوية، لكن نقدر نعالجو بعدين بالإنسولين تحت إشراف طبي. #خلاصة_الكلام: لما تكون ما متأكد، وإتعاملت مع الحالة على إنو Hypo، فإنت بتختار الأمان أولاً، لأنو الـ Hypo أخطر وأسرع في التدهور. #وأهم نقطة: لو أديت زول جلكوز وهو Hyper = مافي خطر مباشر لو أديت زول إنسولين وهو Hypo = ممكن يم*وت فوراً. البوست دا مهم شديييييييييد، لأنو فقدان الوعي عند مرضى السكر بقا شائع جداً، لذلك بتمنى منك بعد تقرأ البوست تشاركه عشان غيرك يستفيد. ____________ *للانضمام لـ (مُهرة 13)* https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *