النخب السودانية والفرصة الأخيرة

*النخب السودانية والفرصة الأخيرة*
➖🟢➖
*مُهرة نيوز*

هل تستطيع النخب السودانية الانتقال من السياسة الكلامية إلى السياسة المنتجة؟ هذا السؤال بات جوهر المأزق الوطني كله . فالسودان لا يواجه أزمة حكم تقليدية، ولا خلافًا سياسيًا عاديا، بل يقف أمام اختبار تاريخي يتعلق بوظيفة النخبة نفسها: هل هي أداة صراع أم رافعة دولة؟ وهل ما تزال قادرة على التعلم من تجاربها الفاشلة ، أم أنها أسيرة خطابها القديم الذي قاد البلاد إلى الحرب؟

منذ سقوط نظام عمر البشير في عام 2019، وُضعت النخب السودانية أمام فرصة نادرة لإعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة، تتجاوز إرث التمكين والحروب والتهميش. غير أن هذه اللحظة أُديرت بعقلية الغنيمة لا بعقلية العقد الاجتماعي. فبدل الانتقال من منطق الخصومة إلى منطق الشراكة الوطنية، طغت ذهنية الإقصاء، وجرى التعامل مع التحول السياسي كانتصار لفريق على آخر، لا كعملية إعادة بناء شاملة للدولة .

هنا بدأ الفشل الأول. لم تفشل النخب لأنها افتقرت إلى الخطاب، بل لأنها عجزت عن تحويل الخطاب إلى سياسة عامة، وإلى برنامج حكم، وإلى مؤسسات قادرة على التغيير. رُفعت شعارات الحرية والسلام والعدالة، لكن الممارسة انزلقت سريعًا إلى الانتقام السياسي. وبدل ترسيخ سيادة القانون، جرى تفريغه من محتواه، فأصبحت الدولة تُدار بالأشخاص لا بالمؤسسات، وبالولاءات لا بالقواعد. ومع هذا الانزلاق، تآكلت الشرعية الأخلاقية للسلطة الانتقالية، وتبددت ثقة قطاعات واسعة من المجتمع، خصوصًا الشباب والمرأة الذين كانوا وقود التغيير وأول ضحاياه.

غير أن الفشل لم يكن أخلاقيًا فقط، بل كان بنيويًا. فالسياسة التي انفصلت عن الاقتصاد تحولت إلى فراغ. لم تقدّم النخب تصورًا جادًا للإنتاج، ولا لمعالجة أزمات المعيشة، ولا لإعادة بناء الاقتصاد المحلي. وهكذا أصبحت السياسة بلا اقتصاد، والشرعية بلا خبز، والدولة بلا وظيفة. في هذا الفراغ تمددت قوى الأمر الواقع، المسلحة وغير المسلحة، وبدأت مراكز النفوذ تملأ المساحة التي انسحبت منها الدولة المدنية العاجزة.

ثم جاءت الحلقة الأخطر: إدارة الخلاف السياسي بعقلية الإقصاء ، لا مكان للتوافق، ولا قيمة للتسوية، ولا معنى للمقاربات . كل خلاف يُقرأ كمعركة وجود، وكل تنازل يُصوَّر كخيانة. هذا السلوك لم يُقصِ الخصوم فحسب، بل أقصى فكرة الدولة نفسها، لأن الدولة لا تقوم إلا على إدارة الخلاف، لا على إلغائه. ومع انسداد أفق التوافق، فقدت الأحزاب قدرتها على ضبط الساحة السياسية ، وتحولت من أداة تنظيم إلى مصدر للتوتر والاحتقان.

في هذا السياق، جرى تفريغ مفهوم الشرعية من مضمونه الحقيقي. فبدل الاحتكام المبكر إلى الشعب عبر انتخابات أو مسار انتقالي واضح، تم التعويل على شرعية ثورية مفتوحة بلا سقف زمني، تُدار عبر تحالفات ضيقة ناقصة التفويض واتفاقات فوقية. ومع مرور الوقت، تحولت هذه الشرعية إلى غطاء هش، لا يحمي الدولة ولا يضبط الفاعلين، فباتت المؤسسات ضعيفة، والقرار مرتبكًا، والأمن خارج سيطرة الدولة. فانتشرت الجريمة بكل مظاهرها ، وخلقت ظروف انضاج الحرب.

عند هذه النقطة، دخل سؤال الأمن في أخطر مراحله. فالأمن ليس ملفًا تقنيًا ولا شأنًا عسكريًا محضًا، بل هو جوهر الدولة . وعندما عجزت النخب عن بلورة تصور وطني جامع للأمن، تذبذبت مواقفها بين الصمت والتبرير والرهان. الأخطر من ذلك كان التطبيع السياسي مع السلاح خارج الدولة، سواء بوصفه أداة ضغط أو عنصر توازن. هذا التهاون في مبدأ احتكار الدولة للقوة لم يكن خطأً تكتيكيًا، بل خرقًا جوهريًا للعقد الاجتماعي.

ومع تعثر الداخل، لجأت النخب إلى الخارج. عجزت عن إدارة خلافاتها وطنيًا، فسلمت مفاتيح القرار للوساطات الإقليمية والدولية. ومع كل جولة تفاوض داخل أو خارج الحدود، كان السودان يفقد جزءًا من سيادته، ويتحول من دولة تبحث عن تسوية وطنية إلى ساحة تُدار وفق مصالح الآخرين. وهكذا لم يعد الخارج وسيطًا محايدًا، بل لاعبًا طامعًا، ولم تعد التسويات عادلة، بل مفصّلة على مقاس موازين إقليمية ودولية.

في هذا المناخ، لم تكن الحرب انفجارًا مفاجئًا، بل نتيجة منطقية لمسار سياسي فاسد فصل السياسة عن الاقتصاد، والشرعية عن السيادة، والدولة عن احتكار القوة. ومع صمود المؤسسة العسكرية، تحوّل الصدام ألطامع في السلطة عبر انقلاب ثم إلى حرب شاملة، كشفت عجز النخب، وعرّت هشاشة مشروعها، ووضعت البلاد أمام كلفة وجودية غير مسبوقة.

اليوم ومع استمرار الحرب، تُعاد إنتاج الأخطاء ذاتها بخطاب مختلف. دعوات الإقصاء، وتوسيع دائرة التخوين، ومحاولات تصنيف مكونات سياسية واجتماعية بوصفها خارج الوطنية ، تعكس ذهنية سياسية لم تتعلم من الكارثة. السودان لا يخوض صراع تيارات، بل معركة بقاء دولة. وأي تفكيك للجبهة الداخلية في هذا التوقيت لا يخدم العدالة ولا الانتقال، بل يمنح خصوم الدولة فرصًا إضافية، ويطيل أمد الصراع.

في المقابل، تكشف الاتهامات المتبادلة بين القوى السياسية عن انهيار كامل لمنطق التعاقد الوطني. فبدل الاحتكام إلى التحقيق المستقل، والمساءلة القانونية، والموقف الأخلاقي الواضح من الانتهاكات، ينحدر الخطاب إلى تخوين شامل، تتساوى فيه التهم، وتضيع فيه دماء المدنيين بين سرديات متصارعة. وهكذا تتحول السياسة من أداة بناء إلى وقود حرب.

تجارب المحيط الإقليمي تؤكد أن الخروج من الأزمات لا يتم عبر إقصاء الخصوم ولا عبر تدويل الخلافات، بل عبر إعادة تعريف دور النخب نفسها. حيثما التقت السياسة بالإنتاج، وحيثما ارتبط الخطاب ببرنامج اقتصادي واقعي، وحيثما حُسمت قضايا السلاح والسيادة وطنيًا، أمكن للدول أن تتجاوز أزماتها. هذه التجارب لا تُستنسخ، لكنها تُذكّر بحقيقة: لا دولة بلا توافق، ولا استقرار بلا اقتصاد، ولا سيادة بلا قرار وطني مستقل.

من هنا، تمثل مرحلة ما بعد الحرب اختبارًا أخيرًا للنخب السودانية. اختبارًا لا يُقاس بحدة الخطاب ولا بكثرة البيانات، بل بالقدرة على الانتقال من سياسة الخصومة الصفرية إلى سياسة التعاقد الوطني، ومن المعارضة إلي الإنتاج، ومن الارتهان للخارج إلى استعادة القرار الوطني، ومن الأيديولوجيا إلى الدولة.

بحسب #وجه_الحقيقة الفرصة ما تزال قائمة، لكنها لم تعد مفتوحة بلا شروط. إما أن تعيد النخب تعريف السياسة بوصفها أداة لبناء الدولة وحماية العقد الاجتماعي، أو تظل أسيرة ماضيها، شاهدة على انهيار لم يكن قدرًا، بل نتيجة خياراتها المخزية. وفي هذا المفترق، لن يكون التاريخ رحيمًا مع من امتلكوا الفرصة وأضاعوها.
دمتم بخير وعافية.
*ابراهيم شقلاوي*
الأثنين 12 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com
__________
*لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽
https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس فقيرًا، بل مُعطَّل. ليس عاجزًا، بل مُقيَّد بسوء الإدارة وتراكم الأزمات. أراضيه الزراعية الممتدة، موارده المعدنية، موقعه الجغرافي، وثروته الحيوانية—allها كفيلة بأن تجعل من أي وديعة استثمارًا رابحًا لا مخاطرة فيه، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية واضحة. إنها دعوة صادقة لكل من يستطيع أن يسهم: للدول الشقيقة، للمؤسسات المالية، ولرؤوس الأموال الباحثة عن الفرص. وديعة لشعب السودان… وديعة تُعيد الأمل، لا تُعمّق التبعية. وديعة تُبنى على المصالح المشتركة، لا على الاستغلال. فالكل فيها رابح، إن صلحت النوايا، واستقامت الرؤية. والأيام دول… وقد علمتنا التجارب أن الشعوب، مهما طال ليلها، لا بد أن ترى فجرها. نسأل الله أن تكون للسودان أيامٌ مقبلات، أيام نهوضٍ واستقرار، وصولاتٍ وجولات… *د. عبد الرؤوف قرناص* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي لهم وظيفة الحصول علي (مصاريف الإرتزاق) من الكفيل المغلوب علي أمره، فهؤلاء القوم (فات) عليهم ان (ماحاق) بتجارب الإنقلابات العسكرية والديمقراطيات من عدم الإستقرار والإضطراب ماعاد يغري أحداً ليفكر في (إجترارها) مرة أخري، فقد عفا عليها الزمن، والبرهان بل كل منسوبي المنظومة العسكرية (يفهمون) ذلك و(ينأون) عن الوقوع في (شراكه) ومآلاته المضنية..أما أن يلجأ البرهان (لصناعة شعبية) له، فهذا قول مردود فالقائد البرهان أصلاً (يتمتع) بهذه الشعبية المكتسبة من (حضوره المؤثر) في قيادة العمليات العسكرية وبما حققه الجيش والفصائل الاخري المشاركة من إ(نتصارات ساحقة) ضد التمرد، فهذه الشعبية (مستحقة) وهو جدير بها وليست تحت (التصنيع) كما يزعم المخبولون..!! *أما قيل عن وقوف السيد رئيس الوزراء مع (عودة) القحاتة للحكم بمايشبه التعاطف معهم، فهو أيضاً من قبيل الكذب، فعودة أو عدم عودة من ساندوا التمرد، (قرار من الشعب) ولايملك الحق فيه لا السيادي ولا الحكومة لأنهما ملتزمان بإرادة الشعب ويقاتلان من أجله عسكرياً ومدنياً..فالبرهان في قيادة الميدانية والتخطيط العسكري وبروف كامل في (معافرة ورهق) الخدمة المدنية وإحياء شرايينها لتعود أقوي…وهما هكذا في هذا (الهم الوطني) الكبير، لا تشغلهما (طموحات ذاتية)، ولايفكران إلا في تحقيق تطلعات الشعب..فاخسأوا ياعملاء الشتات، (فعزة ورفعة) الوطن والشعب هما (الشغل الشاغل) للسيادي والحكومة..!! سنكتب ونكتب…!!! *فتح الرحمن النحاس* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *