*العدالة التي لا تتجزا من حكمة ابراهيم عليه السلام الى اغلاق ملفات الظلم*
➖🟢➖
*مُهرة نيوز*
يخطئ من يظن ان الظلم ينتهي بانتهاء القرار، او ان الخطا الاداري يمحى بمجرد الاعتراف به.
فالظلم حين لا يغلق يتحول من حادثة الى ثقافة، ومن ملف الى ذاكرة مؤسسية مثقلة، تنتقل بين الدفعات كما تنتقل الروايات غير المكتوبة.
العدالة ليست اجراء، بل فكرة كاملة لا تقبل التجزئة.
وهذا ما تعلمناه من حكمة سيدنا ابراهيم عليه السلام، حين واجه الحجة الناقصة بحجة مكتملة، فانتقل مباشرة الى جوهر المعنى وقال ان الله يأتي بالشمس من المشرق فات بها من المغرب.
لم يكن ذلك جدلا دينيا، بل درسا في العقل والعدل معا، فالحقيقة لا تثبت بنصف برهان، والعدل لا يقوم بنصف تنفيذ.
من هذا المنطلق يجب قراءة ازمة ملفات الظلم داخل المؤسسات، وعلى راسها المؤسسة الشرطية.
فما بين قرارات فصل، وتسويات مؤجلة، وترقيات مستحقة لم تنفذ، واحكام قضائية صدرت وبقي تنفيذها معلقا، تتراكم الاسئلة ويتوسع الشك، لا في القضاء، بل في مسار التنفيذ.
ملف كشف 2020، الذي فصل بموجبه تعسفا 344 ضابطا من مختلف الرتب، ليس حالة معزولة، بل نموذج دال لمسار طويل من اخطاء ادارية متشابهة طالت دفعات متعددة.
قرار واحد، فصل واحد، خطا واحد، ثم حكم قضائي واحد ابطل القرار واعاد الحق كاملا.
لكن المفارقة، او سخرية القدر العدلي، تبدأ بعد صدور الحكم.
اعيد بعض الضباط، وترك اخرون، وكأن البطلان يقبل التجزئة، وكأن الحكم القضائي يمكن تنفيذه بالتقسيط، وكأن العدالة تتحقق اذا عاد جزء من الحق وبقي جزء اخر في الانتظار.
وهنا يصبح السؤال سؤال راي عام لا جدل قانوني فقط
اذا كان القرار باطلا، فهل يبطل على مراحل
واذا كان الحكم واحدا، فلماذا ينفذ مجزأ
واذا كان الضرر واحدا، فلماذا تختلف المعالجة
كثيرا ما يقال ان بعض الضباط تقدموا بالطعن، بينما لم يتقدم اخرون، وكأن الطعن هو الذي انشا الحق.
والحقيقة ان الطعن لم يخلق الظلم، بل الظلم هو الذي استدعى الطعن.
فالشكوى واحدة، والقرار واحد، وسبب البطلان واحد، ووزارة الداخلية كانت على علم مسبق بطبيعة القرار وبالخلل الذي شابه وبانه صدر عديم المصدر والجهة.
وفي فلسفة العدالة، لا يصبح الحق حقا فقط حين يطالب به صاحبه، بل حين تعلم به المؤسسة وتقر بوجوده.
فالعدالة المؤسسية لا تقوم على من كان اقدر على التقاضي، بل على تكافؤ الاثر القانوني متى ثبت الخطا وسقط سببه.
واذا بطل القرار في اصله، سقطت اثاره عن الجميع، لا عن بعضهم دون بعض، لان العدالة لا تعرف انصاف المراكز القانونية حين يكون الاساس فاسدا.
ومع ذلك، فان الانصاف يقتضي الاعتراف بما تحقق.
لا يمكن تجاهل ما انجز من استقرار امني، ولا ما حسم من ملفات استعصت لسنوات.
وزير الداخلية الفريق بابكر سمرة مصطفى اعاد للوزارة حضورها المهني، واتخذ قرارات اعادت جزءا من الحق الى اهله، وهذا يحسب له.
لكن التاريخ لا يكتب البدايات، بل يكتب الخواتيم.
والخاتمة هنا لا تخص كشفا واحدا، بل تخص كل ملفات الظلم لكل الدفعات، ضباطا وضباط صف وافرادا.
فالمؤسسة التي لا تغلق ملفاتها تبقى اسيرة ماضيها، والشرطة التي تتعايش مع مظالم مؤجلة تنتج قلقا مهنيا صامتا اخطر من اي ازمة معلنة.
خاتمة في افق حكومة الامل
في رؤية حكومة الامل لا تدار الدولة بارث الاخطاء، بل بشجاعة تصحيحها، ولا تقاس قوة المؤسسات بقدرتها على اتخاذ القرار فقط، بل بقدرتها على جبر الضرر واغلاق الملفات المؤلمة نهائيا.
فالامل ليس وعدا مؤجلا، بل فعل عدالة مكتمل.
ان اغلاق ملفات الظلم لكل الدفعات دون انتقائية او تجزئة هو المدخل الحقيقي لاعادة الثقة، ورسالة واضحة بان حكم القضاء في دولة القانون لا ينفذ على مراحل، بل يحترم كاملا.
وحين يحدث ذلك، لن يكون انتصارا لاشخاص او دفعات، بل انتصارا لفكرة الدولة نفسها، وهذا هو المعنى الحقيقي للامل.
*د. الشاذلي عبد اللطيف*
____________
*للانضمام لـ (مُهرة 13)*
https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT












