أعيدوا مطار الخرطوم… تعود البعثات الدبلوماسية

*أعيدوا مطار الخرطوم… تعود البعثات الدبلوماسية*
➖🟢➖
*مُهرة نيوز*

منذ أن باشرت الحكومة أعمالها من العاصمة القومية الخرطوم الاسبوع الماضي ، برزت تحركات لافتة لرئيس الوزراء د. كامل إدريس، إذ شملت زيارته الجامعات والمرافق الصحية و الكهرباء والمياه، والأجهزة الأمنية، والطرق الصوفية، ورموز المجتمع، في إشارة مهمة إلى أن إعادة بناء الدولة لا تُختزل في السلطة، بل تُستعاد عبر المجتمع بكل طبقاته وتكويناته الفاعلة.

غير أن السياسة حين تُقاس بمعايير التنمية، تختبر بالبنية التحتية. وهنا تبرز اهمية مطار الخرطوم كعقدة وظيفية يجب الإنتباه لها. فإعلان الجاهزية وتداول صور اكتمال الأعمال بواسطة الإعلاميين او الناشطين يظل فعل ناقص ما لم يُترجم إلى قرار تشغيل يستقبل الرحلات الخارجية.

في منطق العلاقات الدولية و حسابات العمل السياسي والدبلوماسي، أن يدعوا رئيس الوزراء البعثات والمنظمات الدولية إلى العودة للخرطوم ،بينما المنفذ الجوي الرئيسي معطلًا فهذا أمر يستوجب إعادة النظر.

كما نعلم فإن تشغيل المطار، فعل سيادي تنموي في غاية الأهمية يفتح الباب تلقائيًا لعودة البعثات الدبلوماسية والمنظمات الاجنبية، واستئناف الأنشطة، وإعادة ربط الخرطوم بمحيطها الاقليمي والدولي.

نعم عودة الفنادق الكبرى بحسب جولات رئيس الوزراء التفقدية، روتانا وكانون وغيرها، مؤشرات على عودة الدورة الاقتصادية، واستعادة البيئة الإدارية، وتهيئة العاصمة لاستقبال الفعاليات لكن ليست كافية.

كذلك مباشرة الحكومة أعمالها من الخرطوم تحمل رسالة جيدة: المركز لم يعد قابلًا للتعطيل، وفكرة الدولة المتنقلة قد فقدت مبررها. غير أن النظام الدولي، بخبرته مع الدول الخارجة من النزاعات، لا يتعامل مع هذه الرسائل باعتبارها وقائع مكتملة، بل فرضيات قيد الاختبار. فالسؤال الجوهري ليس من أين تباشر الحكومة أعمالها، بل الوثوق باستمراريتها.

في هذا السياق المنافذ تمثل حجر الزاوية في معادلة التعافي السياسي والأمني. فالمطار ليس مجرد بوابة سفر، بل أحد أكثر تجليات السيادة حساسية، لأنه يعكس قدرة الدولة على التحكم في حدودها الجوية، وتنظيم الدخول والخروج، وتأمين فضاء الحركة الذي تُبنى عليه كل أشكال الوجود الدبلوماسي والاقتصادي. الدولة التي لا تُشغّل مطار عاصمتها تشغيلًا مستقرًا وآمنًا، تبقى سيادتها منقوصة، مهما بلغت قوة خطابها السياسي.

التجربة السابقة للبعثات الدبلوماسية في الخرطوم تكشف عن نمط ثابت من التحفظ ظل يلازمها . حتى في فترات الاستقرار الأمني، لم تتجاوز هذه البعثات نطاقًا جغرافيًا محدودًا، يضمن وصولًا سريعًا ومباشرًا إلى المطار دون عوائق بنيوية، وعلى رأسها الجسور. هذا السلوك يعكس التزامًا صارمًا بعقيدة أمنية متفق عليها عالميا ،ترى في الزمن عاملًا مهما، وفي وضوح طرق الاخلاء شرطًا لا يقبل التأجيل أو التفسير السياسي.

وعليه، فإن الدعوة إلى عودة البعثات قبل تشغيل فعلي وآمن لمطار الخرطوم، وتأمين محيطه والمسارات الرابطة به، تضع الخطاب السياسي في مواجهة الواقع العملي. فالدبلوماسية المعاصرة، التي تشكلت خبرتها في بيروت وبغداد وطرابلس وغيرها، لم تعد تقيس المدن بقدرتها على امتصاص الخطر، بل بقدرتها على تقليصه ومنع تحوله إلى حالة مفاجئة.

غير أن السيادة، في معناها الحديث، لا تُختزل في السيطرة الأمنية وحدها. فالعاصمة التي تُدار بمنطق الثكنة، ولو كانت مؤمنة، لا تشكل بيئة جاذبة لوجود دبلوماسي طويل الأمد. من هنا، تكتسب عودة الفنادق والمطاعم والمقاهي وأندية الترفيه الاجتماعي أهمية سياسية لا تقل عن أهمية الحواجز ونقاط التفتيش. هذه الفضاءات تُعيد إنتاج الحياة العامة، وتمنح المدينة إيقاعها الطبيعي، وتخلق ما يمكن تسميته “الاستقرار القابل للعيش والاستمتاع” ، وهو شرط أساسي في حسابات البعثات والمنظمات الدولية.

إعادة تشغيل هذه القطاعات، خصوصًا في النطاق الجغرافي القريب من المطار، يعتبر خيارا استراتيجيا مهما. فهي تقلص الحاجة إلى التحركات الطويلة، وتحد من المخاطر الأمنية، وتخلق في الوقت ذاته دورة اقتصادية تعيد ربط المجتمع المحلي بمشروع التعافي.

هنا تتحول الحياة اليومية إلى أداة سياسية ناعمة، تسند الأمن بدل أن تناقضه، وتمنح الدولة حليفًا اجتماعيًا بدل أن تتركه متفرجًا قلقًا.

في هذا الإطار، تصبح عودة البعثات الدبلوماسية نتيجة منطقية لا قرارًا استثنائيًا. فحين يعمل المطار بانتظام، وتُؤمَّن المسارات، وتعود المدينة إلى حدها الأدنى من الحيوية، تختفي المناشدة و السؤال عن “متي تعود البعثات؟” ليحل محله سؤال آخر أكثر دلالة: كيف ستعيد هذه البعثات تنظيم وجودها و فعاليتها في عاصمة استعادت وظائفها الأساسية؟

إن الرهان الحقيقي، إذن، لا يكمن في استعجال العودة، بل في بناء شروطها بهدوء وحكمة . فالدولة التي تستعيد سيادتها بالقول والعمل لا تطلب الاعتراف، بل تخلقه. والخرطوم إذا ما أُدير هذا الملف بعقل سياسي تنموي رشيد، قادرة على أن تعود عاصمة لا يُستدعى إليها العالم، بل يعود إليها حين يوقن أنها تجاوزت لحظة الإعلان إلى مرحلة القدرة والانتاج.

هذا وبحسب #وجه_الحقيقة ، فإن عودة الخرطوم لا تُقاس بعدد الجولات ولا كثافة النداءات، بل بقدرة الدولة على تفعيل مفاصلها الحيوية: مطار يعمل، فنادق تستقبل، مؤسسات تؤدي، وبيئة تُحمى. حينها فقط تعود البعثات من تلقاء نفسها، لا استجابة لدعوة، بل اعترافًا بأن العاصمة استعادت حدها الأدنى من الجاهزية. في هذا المعنى، يصبح تشغيل مطار الخرطوم فعلًا سياسيًا مهما، لأنه يختصر المسافة بين التعافي المعلن والتعافي الممكن، ويضع السودان على عتبة العودة الفاعلة المؤثرة .
دمتم بخير وعافية.
*ابراهيم شقلاوي*
الثلاثاء 20 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com
__________
*لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽
https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس فقيرًا، بل مُعطَّل. ليس عاجزًا، بل مُقيَّد بسوء الإدارة وتراكم الأزمات. أراضيه الزراعية الممتدة، موارده المعدنية، موقعه الجغرافي، وثروته الحيوانية—allها كفيلة بأن تجعل من أي وديعة استثمارًا رابحًا لا مخاطرة فيه، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية واضحة. إنها دعوة صادقة لكل من يستطيع أن يسهم: للدول الشقيقة، للمؤسسات المالية، ولرؤوس الأموال الباحثة عن الفرص. وديعة لشعب السودان… وديعة تُعيد الأمل، لا تُعمّق التبعية. وديعة تُبنى على المصالح المشتركة، لا على الاستغلال. فالكل فيها رابح، إن صلحت النوايا، واستقامت الرؤية. والأيام دول… وقد علمتنا التجارب أن الشعوب، مهما طال ليلها، لا بد أن ترى فجرها. نسأل الله أن تكون للسودان أيامٌ مقبلات، أيام نهوضٍ واستقرار، وصولاتٍ وجولات… *د. عبد الرؤوف قرناص* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي لهم وظيفة الحصول علي (مصاريف الإرتزاق) من الكفيل المغلوب علي أمره، فهؤلاء القوم (فات) عليهم ان (ماحاق) بتجارب الإنقلابات العسكرية والديمقراطيات من عدم الإستقرار والإضطراب ماعاد يغري أحداً ليفكر في (إجترارها) مرة أخري، فقد عفا عليها الزمن، والبرهان بل كل منسوبي المنظومة العسكرية (يفهمون) ذلك و(ينأون) عن الوقوع في (شراكه) ومآلاته المضنية..أما أن يلجأ البرهان (لصناعة شعبية) له، فهذا قول مردود فالقائد البرهان أصلاً (يتمتع) بهذه الشعبية المكتسبة من (حضوره المؤثر) في قيادة العمليات العسكرية وبما حققه الجيش والفصائل الاخري المشاركة من إ(نتصارات ساحقة) ضد التمرد، فهذه الشعبية (مستحقة) وهو جدير بها وليست تحت (التصنيع) كما يزعم المخبولون..!! *أما قيل عن وقوف السيد رئيس الوزراء مع (عودة) القحاتة للحكم بمايشبه التعاطف معهم، فهو أيضاً من قبيل الكذب، فعودة أو عدم عودة من ساندوا التمرد، (قرار من الشعب) ولايملك الحق فيه لا السيادي ولا الحكومة لأنهما ملتزمان بإرادة الشعب ويقاتلان من أجله عسكرياً ومدنياً..فالبرهان في قيادة الميدانية والتخطيط العسكري وبروف كامل في (معافرة ورهق) الخدمة المدنية وإحياء شرايينها لتعود أقوي…وهما هكذا في هذا (الهم الوطني) الكبير، لا تشغلهما (طموحات ذاتية)، ولايفكران إلا في تحقيق تطلعات الشعب..فاخسأوا ياعملاء الشتات، (فعزة ورفعة) الوطن والشعب هما (الشغل الشاغل) للسيادي والحكومة..!! سنكتب ونكتب…!!! *فتح الرحمن النحاس* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *