كردفان حين تُمسك بالساعة… والعدو يضيع الوقت

*كردفان حين تُمسك بالساعة… والعدو يضيع الوقت*

➖🟢➖

*مُهرة نيوز*

 

ما جرى في كردفان ليس خبراً يُتداول ولا بياناً يُقرأ على عجل، بل لحظة عسكرية ناضجة خرجت من رحم الصبر الطويل، وأعلنت ـ بلا ضجيج مصطنع ـ أن ميزان المبادرة انتقل فعلياً إلى يد الدولة. هنا لا نتحدث عن اندفاع عاطفي ولا “كرٍّ وفرٍّ” عابر، بل عن حركة محسوبة في الزمن والمكان، تُدار بعقل بارد، وتُنفَّذ بإرادة صلبة، وتُقرأ بنتائجها لا بهتافها.

 

التحرك المتزامن في أكثر من محور بكردفان يكشف جوهر المرحلة: الجيش لم يعد يطارد الحدث، بل يصنعه. لم يعد يرد على هجوم، بل يسبقه ويُفرغه من مضمونه قبل أن يولد. هذا هو الفارق الجوهري بين من يقاتل بعقيدة دولة، ومن يقاتل بعقيدة الغنيمة. حين تُستعاد مناطق، وتُكسر أطواق، ويُفتح طريق قومي، ويُفك حصار ظلّ ورقة ضغط نفسية قبل أن يكون عسكرية، فإن الرسالة لا تُوجَّه للميدان وحده، بل للعقل الذي كان يراهن على إنهاك الجيش واستنزافه زمنياً.

 

كردفان، بهذا المعنى، لم تكن مجرد مسرح عمليات، بل كانت عقدة المشروع كله. من يسيطر عليها يسيطر على الإيقاع، ومن يفقدها يفقد القدرة على المناورة، مهما امتلك من ضجيج إعلامي أو فيديوهات مفبركة تُصور شبحاً بعد أن غادر الجسد. الحرب النفسية هنا واضحة المعالم: المليشيا تحاول أن تُنكر ما فقدته لأن الاعتراف بالسقوط هو بداية الانهيار الداخلي، والجيش يترك الأرض تتكلم نيابة عنه، لأن الوقائع الصلبة أقسى على الخصم من ألف بيان.

 

اللافت في هذا التحرك ليس فقط اتساعه الجغرافي، بل تماسكه العملياتي. أرض تُفتح، سماء تُحكم، إمداد يُقطع، وفزع يُحيَّد قبل أن يصل. هذه ليست لغة صدفة، بل نتاج قراءة دقيقة لسلوك العدو، وتقدير صحيح لنقاط ضعفه، واستثمار ذكي في عنصر المفاجأة. وهنا تحديداً تُكسر الحرب النفسية المضادة؛ لأن الخصم الذي اعتاد صناعة صورة القوة عبر الاستعراض، يجد نفسه فجأة أمام قوة لا تستعرض، بل تنجز.

 

ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية: الرسالة الموجهة لمن تبقى في صفوف المليشيا. ما حدث يقول لهم بوضوح لا يحتمل التأويل إن نافذة الخروج ما زالت مفتوحة، لكن البقاء في الخندق الخطأ صار مخاطرة وجودية. المعركة دخلت طوراً لا يرحم الوهم، ولا يسمح بالرهان على الخارج، ولا يُجدي فيه الهروب إلى الدعاية. إنها معركة دولة تستعيد جسدها خطوة خطوة، وتعرف أن الحسم الحقيقي يبدأ بكسر إرادة الخصم قبل كسر سلاحه.

 

أما الداخل السوداني، فله نصيبه من هذه اللحظة. الفرح الذي خرج عفوياً من الدلنج، والزغاريد التي سبقت التحليل، ليست تفاصيل هامشية، بل مؤشر حاسم على أن الوجدان العام بدأ يستعيد ثقته بأن هذه الحرب ليست بلا أفق. هذا التلاحم بين الميدان والناس هو أخطر ما يواجه أي مشروع مليشياوي؛ لأنه يسحب منه آخر أوراقه: الخوف.

 

ما يحدث في كردفان ليس نهاية الحرب، لكنه كسرٌ واضح لعمودها الفقري. هو إعلان غير مكتوب بأن المرحلة القادمة ستكون أدق وأقسى، وأن ما تحقق ليس سقف الطموح بل أرضيته. من هنا فصاعداً، لن تُقاس المعركة بما يُقال عنها، بل بما يتساقط منها من أوهام الخصم، محوراً بعد محور، حتى تحرير آخر شبر، لا بوعدٍ عاطفي، بل بإيقاع دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف متى وكيف تضرب.

 

في كردفان اليوم، الجيش لم ينتصر فقط… بل أعاد ضبط الساعة. ومن يضيع الوقت في الحرب، يخسرها.

*لؤي إسماعيل مجذوب*

____________

*للانضمام لـ (مُهرة 13)*

https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس فقيرًا، بل مُعطَّل. ليس عاجزًا، بل مُقيَّد بسوء الإدارة وتراكم الأزمات. أراضيه الزراعية الممتدة، موارده المعدنية، موقعه الجغرافي، وثروته الحيوانية—allها كفيلة بأن تجعل من أي وديعة استثمارًا رابحًا لا مخاطرة فيه، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية واضحة. إنها دعوة صادقة لكل من يستطيع أن يسهم: للدول الشقيقة، للمؤسسات المالية، ولرؤوس الأموال الباحثة عن الفرص. وديعة لشعب السودان… وديعة تُعيد الأمل، لا تُعمّق التبعية. وديعة تُبنى على المصالح المشتركة، لا على الاستغلال. فالكل فيها رابح، إن صلحت النوايا، واستقامت الرؤية. والأيام دول… وقد علمتنا التجارب أن الشعوب، مهما طال ليلها، لا بد أن ترى فجرها. نسأل الله أن تكون للسودان أيامٌ مقبلات، أيام نهوضٍ واستقرار، وصولاتٍ وجولات… *د. عبد الرؤوف قرناص* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي لهم وظيفة الحصول علي (مصاريف الإرتزاق) من الكفيل المغلوب علي أمره، فهؤلاء القوم (فات) عليهم ان (ماحاق) بتجارب الإنقلابات العسكرية والديمقراطيات من عدم الإستقرار والإضطراب ماعاد يغري أحداً ليفكر في (إجترارها) مرة أخري، فقد عفا عليها الزمن، والبرهان بل كل منسوبي المنظومة العسكرية (يفهمون) ذلك و(ينأون) عن الوقوع في (شراكه) ومآلاته المضنية..أما أن يلجأ البرهان (لصناعة شعبية) له، فهذا قول مردود فالقائد البرهان أصلاً (يتمتع) بهذه الشعبية المكتسبة من (حضوره المؤثر) في قيادة العمليات العسكرية وبما حققه الجيش والفصائل الاخري المشاركة من إ(نتصارات ساحقة) ضد التمرد، فهذه الشعبية (مستحقة) وهو جدير بها وليست تحت (التصنيع) كما يزعم المخبولون..!! *أما قيل عن وقوف السيد رئيس الوزراء مع (عودة) القحاتة للحكم بمايشبه التعاطف معهم، فهو أيضاً من قبيل الكذب، فعودة أو عدم عودة من ساندوا التمرد، (قرار من الشعب) ولايملك الحق فيه لا السيادي ولا الحكومة لأنهما ملتزمان بإرادة الشعب ويقاتلان من أجله عسكرياً ومدنياً..فالبرهان في قيادة الميدانية والتخطيط العسكري وبروف كامل في (معافرة ورهق) الخدمة المدنية وإحياء شرايينها لتعود أقوي…وهما هكذا في هذا (الهم الوطني) الكبير، لا تشغلهما (طموحات ذاتية)، ولايفكران إلا في تحقيق تطلعات الشعب..فاخسأوا ياعملاء الشتات، (فعزة ورفعة) الوطن والشعب هما (الشغل الشاغل) للسيادي والحكومة..!! سنكتب ونكتب…!!! *فتح الرحمن النحاس* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *