البرهان يختبر التوافق الوطني

*البرهان يختبر التوافق الوطني*

➖🟢➖

*مُهرة نيوز*

في الذكرى السبعين لاستقلال السودان، جاء خطاب الرئيس عبد الفتاح البرهان من داخل القصر الجمهوري استعادة لرمزية الاستقلال، كما حاول إعادة ترتيب المشهد الوطني، عبر سؤال الدولة: كيف يمكن تحويل الانتصار العسكري إلى توافق وطني يعيد للسودان تماسكه السياسي ووحدته الوطنية بعد حرب استنزفت الجغرافيا والإنسان والموارد.

ركز البرهان على ثلاث رسائل مهمة : تثبيت الثقة الشعبية بقرب الحسم العسكري، تثمين تضحيات القوات المسلحة والقوى المساندة في “معركة الكرامة”، وفتح الباب أمام القوى السياسية التي “آمنت بقضية الوطن” للانخراط في مشروع جامع يؤسس لدولة المواطنة تحت شعار العدالة.

لغة البرهان حملت توازنًا محسوبا بين الثقة بالنصر والدعوة للمصالحة. فهو من جهة ثبّت سردية الحسم، مؤكدًا أن المعركة لم تكن دفاعًا عن سلطة، بل عن فكرة الوطن، ومن جهة أخرى فتح الباب أمام القوى السياسية التي اختارت الاصطفاف مع الدولة، أو تلك التي ترغب في العودة إلى فضاء الوطنية الجامعة. هذا الجمع بين الحسم والانفتاح يعكس إدراكًا بأن الانتصار العسكري، مهما بلغ، يظل ناقصًا إن لم يُترجم إلى عقد سياسي واجتماعي يعالج جذور الأزمة ولا يكتفي بإزاحة أعراضها.

تزامن الخطاب مع تطورات ميدانية نوعية في كردفان، حيث حققت القوات المسلحة والقوات المساندة لها تقدمًا حاسمًا في كازقيل والرياش وهبيلا، ما أعاد رسم موازين السيطرة في الإقليم، وبدد رهانات المليشيا على العزل والحصار. هذه الانتصارات حملت دلالة سياسية واضحة: الدولة استعادت زمام المبادرة، ولم تعد أسيرة ردود الأفعال. هذه الدلالة بقدر ما عززت موقع السلطة، رفعت سقف التوقعات حول قدرتها على إدارة ما بعد النصر.

في هذا السياق، تبدو دعوة التوافق الوطني أقرب إلى اختبار عملي ربما جرى التوافق عليه في زيارة الرياض والقاهرة منها إلى مبادرة خطابية. فقد سبق إطلاق هذه الإجراءات، تمكين جميع السودانين من استخراج وتجديد الوثائق الثبوتية في إشارة إلى قيود كانت مفروضة علي قوي سياسية ، فالمؤسسة العسكرية التي دفعت كلفة المواجهة، تنظر إلى المصالحة باعتبارها ضرورة لاستكمال بناء الدولة، لكنها ترفض أن تتحول إلى منصة لإعادة تدوير الفوضى أو القفز فوق التضحيات.

أما القوى السياسية الوطنية، فتتعامل مع الدعوة بحذر مشروع ، إذ ترى فيها فرصة للعودة إلى المسار المدني، لكنها تطالب بضمانات واضحة تؤسس لعلاقة متوازنة بين السلطة والقوة، وتحمي الانتقال من الارتداد.

الشارع السوداني المثقل بسنوات الحرب، يقف في موقع المراقب. لم تعد الخطابات وحدها كافية لإقناعه، بل بات يقيس السياسة بميزان النتائج: أمن مستقر، وخدمات تعود تدريجيًا، وحياة طبيعية تستأنف إيقاعها. في هذا المزاج العام، يصبح التوافق الوطني مطلبًا عمليًا، يختبر قدرة الدولة على استعادة ثقة مواطنيها في بسط الأمن بعيدا عن التفاهمات النخبوية.

تعزز ملامح هذا التحول مؤشرات عودة الدولة إلى مركزها الطبيعي. فانتظام العمل الحكومي في الخرطوم، وعودة آلاف المواطنين يوميًا، واستعداد رئيس الوزراء لمباشرة مهامه مطلع الأسبوع القادم من العاصمة، كلها إشارات على انتقال حذر من إدارة الحرب إلى إدارة الحكم. هذه العودة ، اختبار عملي لقدرة الدولة على تحويل الانتصار العسكري إلى استقرار سياسي وخدماتي ملموس.

خارجيًا، شكّل ترحيب رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف بخارطة الطريق التي قدمتها الحكومة السودانية أمام مجلس الأمن الدولي اعترافًا إقليميًا متقدمًا بإطار الحل الذي تطرحه الخرطوم. المبادرة بما تتضمنه من وقف شامل لإطلاق النار، وتجميع مقاتلي الدعم السريع، ونزع السلاح بإشراف دولي، وعودة النازحين، والإصلاح الأمني، والمصالحة الوطنية، تعكس – وفق توصيف الاتحاد – فهمًا عميقًا لتعقيدات الأزمة، وتضع أساسًا موثوقًا لسلام مستدام يحفظ وحدة السودان وسيادته.

غير أن التحدي الجوهري لا يكمن في صياغة المبادرات بقدر ما يكمن في تهيئة المناخ الداخلي لإنجاحها. فالمصالحة التي دعا إليها البرهان لن تُختبر بنوايا الخطاب، بل بقدرتها على استيعاب التعدد السياسي، وتحقيق العدالة الانتقالية، وجبر الضرر، ومنع إعادة إنتاج أسباب الحرب. كما أن التقدم العسكري في كردفان ودارفور، من المهم أن يُترجم إلى عقد وطني جديد يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين الحاكم والمحكوم.

المشهد في مجمله، يستدعي مقارنة غير مباشرة مع لحظة الاستقلال الأولى عام 1956، حين دعا الزعيم إسماعيل الأزهري إلى نسيان المخاوف وبناء الدولة بروح جماعية متماسكة. الفارق أن التحدي اليوم أكثر تعقيدًا، فالمعركة لم تعد ضد استعمار خارجي، بل ضد مشروع تفكيك داخلي متعدد الأذرع والأدوات. ومع ذلك يظل الدرس واحدًا: الاستقلال لا يُصان بالسلاح وحده، بل بحكمة السياسة وعدالة التوافق الوطني .

بحسب #وجه_الحقيقة وبين خطاب البرهان، وتقدم الجيش، ودعم الاتحاد الأفريقي، تتشكل ملامح مشهد جديد، عنوانه أن الدولة السودانية قادرة على النهوض، إذا أحسنت الجمع بين صلابة السيف وحكمة العقل. السودان اليوم يقف عند مفترق طرق : خطاب نصر يفتح الباب للتوافق، وتوافق لن يكتمل إلا إذا تحوّل من مبادرة خطابية إلى مشروع وطني جامع.

دمتم بخير وعافية.

*ابراهيم شقلاوي*

السبت 3 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

____________

*للانضمام لـ (مُهرة 13)*

https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • Related Posts

    ( كٌنت هناك )

    *( كٌنت هناك )* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* قلت للزملاء الذين رافقوني في العودة للخرطوم ونحن مجتمعين أنا أٌريد ان أبدأ عودتي للخرطوم بتحية صرح يستحق منا جميعاً التحية والاحترام قال لي أحد الزملاء : ح نبتدئ بالجهة الفلانية قلت له لا بدايتنا ح تكون بوزارة الداخلية و سنكون مع الشرطة السودانية أولادنا الغٌبش مشهدا مشهدا ورواية رواية. الجهاز الذي ينبض بالرجال الأوفياء أصحاب البال الطويل والحنكة الذين كلما رشقتهم حجارتنا أو وصلتهم إساءتنا تحملوها بكل جلد وصبر وحكمة ونكران ذات وقالوا هذا برد وسلام علينا بمبدأ انتوا اغلطوا ونحن بنفتش ليكم الأعذار … الشرطة التي تحملت فوق طاقتها وفوق احتمالية أفرادها لكنها ظلت تقدم في كل الأمكنة .. قدمت في الحرب مئات الشهداء وعشرات الجرحى وجمعا من المفقودين وظلت أيضاً صامدة وصابرة ومحتسبة ولكم في الاحتياطي المركزي مثال رمزية تفوق الجبال شموخا … جلست إلى كبار ضٌباط الشرطة وفي مقدمتهم السيد / الفريق أول حقوقي / أمير عبدالمنعم المدير العام للشرطة هذا الرجل عسكري بوليس حقيقي رجل صارم وحاذق وحافظ لوحه تماماً تهابه حتي وإن كٌنت مٌلما بكل المعلومات فيحدثك حديث العارفين ببواطن الأمور ومرونة القيادة وإقتراح الحلول في وقت صعب .. جلست إلى الأفراد العسكرين لاحظت فيهم الصرامة والاهتمام بالتواصل مع المجتمع والقٌرب منه امتثالاً لشعار (الشرطة في خدمة الشعب) … ورأيت أن الشرطة ترجمت ذلك في التسهيل والتعاون بتبسيط الخدمات في مجالات عديدة أهمها الأمن وتحمل المسؤولية التامة في ظل تحديات كبيرة بأقل الإمكانيات وأعظم الرجال .. دخلت مباني النجدة والعمليات وجدت المهتمين بالأمر على أهبة الاستعداد للاستجابة الفورية للبلاغات عبر الرقم ( 999 ) أو دوريات النجدة المنتشرة في المحليات سألت المسؤول الأول و هو ضابط برتبة متقدمة (هل اتصل بكم مواطن لنجدته ولم تفعلوا )؟ أجابني بروح طيبة نحن قاعدين هنا عشان خدمة المواطن وما بننوم وكل من أراد الفزعة نحن في خدمته … باغته بسؤال خيالي يا سعادتك في مواطن اتصل ولم يحدث تعاون من جانبكم ؟ أجابني جيبي توقيت الاتصال وأعدك أن هذا لم ولن يحدث قط بإذن الله… دلفت منهم إلى الارتكازات وفي كبري النيل الأبيض وجدت الشرطة الأمنية حاضرة وواعية تماماً ومدركة لحساسية الوضع لاحظتهم واقفين في منتصف الكبري لمتابعة السيارات وما تحمله من أشياء في متابعة لصيقة للمواطنيين أعجبتني الهمة العالية والروح الوثابة … وفوق هذا وذاك وجدت الناطق الرسمي للشرطة .. رجل نشط كالنحلة متعاون مع الإعلام ويتعامل بمبدأ الشراكة الذكية بين الأجهزة الأمنية والإعلام .. دخلت رئاسة شرطة ولاية الخرطوم شاهدت الخرطوم العاصمة كلها من غرفة السيطرة والتحكم المواقع و الارتكازات مرور الدوريات و متابعة الشارع العام كله موجود في شاشة وأمامها يجلس كبار الضٌباط بالساعات الطِوال ويظهر عليهم التعب والإرهاق لفكرة التركيز الشديد في متابعة الشاشة حتي لا تضيع منهم لقطة او لمحة علها تكون مدخلا لجريمة أو حدا من حدوث بعض ظواهر النهب والسرقة وغيرها من الجرائم … خرجت من ديار الشرطة بغالبية أفرعها بأن الشرطة السودانية بخير وأنها حريصة على حماية المدنيين بعين ساهرة على الدوام .. لكن إن كان لدي من رسائل : ▪️أولاً : رفع مرتبات المنتسبين للشرطة السودانية حتى يستقر وضعهم المادي نسبياً فهم بشر ولديهم التزاماتهم الأسرية وغيرها … ▪️ثانياً للمواطن : أن يٌعطي الشرطة كامل الاحترام والتقدير اللازم وأن يضعها في مقام الشريك الصديق .. ▪️وثالثاً : لضباط وأفراد الشرطة السودانية أن يجعلوا المواطن هو بمثابة ابنهم البِكر خوفاً واحتواء … ▪️أما أنا فتحيتي خاصة لكل الشرطة السودانية حيّاكم الغمام …. ( قريباً أحدثكم عن رجل عظيم أسمه بابكر سمره ) وبس … *عائشة الماجدي* __________…

    Read more

    Continue reading
    عن أرباح العدوان

    *عن أرباح العدوان!* ➖🟢➖ *مُهرة نيوز* * الذين يدافعون عن العدوان الإماراتي، ويهاجمون منتقديه، لا يقدمون معلومات تلغي المعلوم يقيناً، أو تشكك فيه وتجعله محل تساؤل. المعلومة الوحيدة التي يقدمونها هي أنهم فريق دفاع سوداني، والتساؤل الوحيد الذي يثيرونه يتعلق بمقدار “أتعابهم”! * عندما يعددون الحيل الدفاعية فإنهم في الحقيقة يعددون مصالحهم، فكل حيلة تحدث الناس عن مصلحة ولا تحدثهم عن حجة، ليكون أكثرها ضعفاً هو أكثرها حديثاً عن المصلحة! * وليدل مجموع الحيل على مقدار تركيزهم على إرضاء المعتدي أكثر من الإقناع، وابتعادهم عن الوطن والمواطنين، والأذى الذي يقبلونه لهم إذا تعاكست المصالح! * يدل تمسكهم بالاستمرار في الدفاع عن العدوان ــ رغم أن ردود الفعل تثبت بشكل قاطع أنه يفضح ولا يقنع ــ على قناعتهم بأن ربحهم من العدوان أكبر من خسارتهم، وأن سمعتهم أقل أهميةً من مصلحتهم! * لو كانوا صادقين، مع أنفسهم ومع الناس، ومقتنعين بصحة منطق المصلحة من العدوان، وبوجود مصلحة عامة من الأصل، لحاولوا إقناع الناس بمشاركتهم في الدفاع عن العدوان عبر محاولة إقناعهم بأن مصلحة الوطن والمواطنين منه أكبر من الخسارة، تماماً كحالهم هم! *إبراهيم عثمان* __________ *لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽 https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *