*حين تنهار الفكرة يسقط الجسد… قراءة باردة في تفكك مليشيا الدعم السريع

*حين تنهار الفكرة يسقط الجسد… قراءة باردة في تفكك مليشيا الدعم السريع*
➖🟢➖
*مُهرة نيوز*

لا تموت التمردات لحظة اختراق خطوطها، بل تموت يوم تفقد قدرتها على إقناع مقاتليها بسبب وجودهم في الميدان. تلك اللحظة هي الأخطر، لأنها لا تُرى بالعين المجردة، ولا تُقاس بعدد العربات المدمرة، لكنها تُقرأ في الأجساد المنهكة، والعقول المرتبكة، والاعترافات التي تخرج بلا تنسيق ولا إذن. ما يحدث اليوم داخل مليشيا الدعم السريع ينتمي إلى هذا النوع من السقوط: سقوط المعنى قبل سقوط المواقع.

حين تُدفع مجموعات كاملة من المقاتلين إلى حقن أنفسهم بأمصال مجهولة، وتناول حبوب منشطة لإلغاء النوم، ثم يُتركون يواجهون التشنجات والصرع وتلف الأعصاب حتى الموت، فنحن لا نكون أمام “إجراءات طبية خاطئة”، بل أمام إدارة مأزومة تحاول إطالة عمر تشكيل يحتضر. هذه ممارسات الجيوش التي فقدت توازنها النفسي، ولم تعد ترى في الجندي أكثر من رقم مؤقت في معادلة الاستنزاف.
غير أن الانهيار الأعمق لا يقع في الجسد، بل في البنية التي تدّعي القيادة. الاعترافات الصادرة من داخل المليشيا، وعلى رأسها شهادة لواء عامل، لا تكشف فقط حجم التمييز القبلي أو سوء التوزيع، بل تفضح كذبة التأسيس نفسها.
لسنوات، جرى شحن المقاتلين بخطاب المظلومية، وتصوير الحرب كصراع ضد “ظلم تاريخي”، لكن الجنود اكتشفوا، متأخرين، أن الظلم لم يكن خارج المليشيا بل داخلها، وأن ما رُفع كشعار لم يكن قضية، بل أداة تعبئة قبلية لخدمة خشم بيت واحد.

في العلوم العسكرية، أخطر ما يمكن أن يصيب أي تشكيل مسلح هو انهيار الثقة الرأسية. حين يشعر لواء، مُمثّل لقبيلة كاملة، أنه مُلحق إداريًا وعسكريًا بفرع قبلي آخر، وحين يرى أن تسليحه لا يتجاوز أربع عربات مقابل عشرات ومئات تُمنح لغيره، فإن الرتبة تفقد معناها، والأمر العسكري يفقد هيبته. هنا لا يعود الجندي يقاتل ضمن منظومة، بل ضمن شعور بالاستغلال، وهو شعور لا تنتج عنه شجاعة، بل ردود فعل باردة، وانسحابات صامتة، وتخلٍ تدريجي عن المعركة.

التمييز في علاج الجرحى يُعد ذروة هذا الانهيار. حين يرى المقاتل أن نجاته من الموت لا تتعلق بإصابته أو رتبته، بل بانتمائه القبلي، فإن الرابط النفسي مع القيادة ينقطع تمامًا. في تلك اللحظة، يصبح السلاح الذي يحمله أثقل من قدرته على الاحتمال، وتتحول فكرة “القتال حتى النهاية” إلى عبء ذهني لا معنى له. الجيوش لا تنهار حين تُقتل، بل حين تكتشف أنها قابلة للاستبدال داخلها.

هذا التفكك الداخلي لا يحدث في فراغ. فحين يفقد التمرد تماسكه النفسي، يصبح أكثر عرضة للضغط الخارجي، وأقل قدرة على المناورة. ليس لأن الضربات وحدها أقسى، بل لأن العقل الذي كان يستوعب الصدمة لم يعد موجودًا. كل حركة تصبح مكلفة، وكل قرار يبدو خاطئًا، وكل انسحاب يتحول إلى اعتراف ضمني بالفشل. في هذه المرحلة، لا يحتاج الخصم إلى مطاردة طويلة، لأن التمرد يبدأ في مطاردة نفسه.

من منظور الحرب النفسية، ما يجري داخل المليشيا اليوم يمثل مرحلة ما بعد الذروة. مرحلة يتقدّم فيها الانهيار من القاعدة إلى الأعلى، وتخرج فيها الأصوات من داخل الصف الواحد، لا بدافع البطولة، بل بدافع العجز عن الاحتمال. هذه الشهادات، حين تُقرأ بعقل بارد، تؤكد أن المشروع لم يكن مختطفًا فقط، بل كان مصممًا منذ البداية على أساس غير قابل للاستمرار: قبيلة تقاتل لتبقى، وبقية قبائل تُستنزف لتُستخدم.

التاريخ العسكري يقول بوضوح: التشكيلات التي تُدار على أساس التمييز لا تُهزم فجأة، بل تتآكل، ثم تسقط دفعة واحدة عندما يفقد آخر جندي سببًا واحدًا للبقاء. ما نراه الآن هو هذا التآكل وقد بلغ مرحلة العلن. لم يعد بالإمكان إخفاؤه بالخطاب، ولا ترميمه بالتعبئة، ولا تأجيله بالمخدرات والمنشطات.

هكذا تسقط التمردات الكبرى:
لا حين تُعلن هزيمتها، بل حين تعترف، من داخلها، أن الحرب التي خاضتها لم تكن حربها، وأن الدم الذي أُريق لم يكن دفاعًا عن قضية، بل ثمنًا لوهم.
وعندما يسقط الوهم، لا يبقى للجسد ما يستند عليه، مهما حمل من سلاح.
*لؤي اسماعيل مجذوب*
__________
*لمتابعة قناة (مهرة) على الواتساب*👇🏽
https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

  • Related Posts

    وديعة لشعب السودان… يا محسنين

    *وديعة لشعب السودان… يا محسنين* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* يترنح الاقتصاد السوداني اليوم كما مصارعٍ منهكٍ في حلبة صراع طويلة، قاب قوسين أو أدنى من السقوط أرضًا، وقد أُثقلت كتفاه بتاريخٍ من النزاعات التي لم تُحسن النخب إدارتها، ولا أحسنت الدولة توظيف مواردها لتفاديها. منذ الاستقلال، لم يذق السودان طعم الاستقرار الحقيقي. حرب الجنوب التي امتدت لعقود طويلة لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل كانت استنزافًا مستمرًا للموارد والطاقات، انتهت بانفصال كان بالإمكان تجنبه لو سادت الحكمة بدل المكابرة، ولو قُدمت مصلحة الوطن على شعارات النضال الزائف. وقبل أن يلتقط السودان أنفاسه، اشتعلت دارفور، فكانت جرحًا آخر ينزف في خاصرة الوطن. دارفور التي كانت سلة عطاء، تحولت بفعل الحرب إلى أرض موحشة، يلفها الخراب، وتثقلها ذاكرة الألم والنزوح والدمار. وفي خضم هذا الركام، يقف السودان اليوم بلا سند اقتصادي حقيقي، يواجه أزماته وحيدًا، رغم أنه كان يومًا ما سندًا لغيره، وملاذًا للأشقاء، ورافعةً اقتصادية في محيطه العربي والإفريقي. ومن هنا يبرز السؤال: أين يقف العالم اليوم من السودان؟ وأين يقف الأشقاء من شعبٍ لم يبخل يومًا بالعطاء؟ إن ما يحتاجه السودان الآن ليس صدقاتٍ موسمية، ولا وعودًا مؤجلة، بل وديعة اقتصادية حقيقية، تُضخ في شرايين الاقتصاد لتعيد إليه الحد الأدنى من الحياة. وديعة لا تُبنى على الإملاءات، ولا تُربط بالأجندات، بل تقوم على شراكة ذكية، يكون فيها السودان بما يملك من موارد ضخمة—ظاهرة وباطنة—ضامنًا حقيقيًا، لا متلقيًا ضعيفًا. سودان اليوم ليس فقيرًا، بل مُعطَّل. ليس عاجزًا، بل مُقيَّد بسوء الإدارة وتراكم الأزمات. أراضيه الزراعية الممتدة، موارده المعدنية، موقعه الجغرافي، وثروته الحيوانية—allها كفيلة بأن تجعل من أي وديعة استثمارًا رابحًا لا مخاطرة فيه، إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية وطنية واضحة. إنها دعوة صادقة لكل من يستطيع أن يسهم: للدول الشقيقة، للمؤسسات المالية، ولرؤوس الأموال الباحثة عن الفرص. وديعة لشعب السودان… وديعة تُعيد الأمل، لا تُعمّق التبعية. وديعة تُبنى على المصالح المشتركة، لا على الاستغلال. فالكل فيها رابح، إن صلحت النوايا، واستقامت الرؤية. والأيام دول… وقد علمتنا التجارب أن الشعوب، مهما طال ليلها، لا بد أن ترى فجرها. نسأل الله أن تكون للسودان أيامٌ مقبلات، أيام نهوضٍ واستقرار، وصولاتٍ وجولات… *د. عبد الرؤوف قرناص* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading
    إستمرار التهديف الطائش….*

    *إستمرار التهديف الطائش….* *أراجيف تستهدف قيادة الدولة….* *أكاذيب لإعطاب ثمار النصر….* *آخر مافي جراب العملاء..!!* ➖🟢➖ *(مُهرة نيوز)* رسائل ومحادثات كثيرة تصل إلي بريدي من عدد مقدر من (القراء) في الداخل والخارج الذين (يتابعون) مانكتب يستفسرون عن (صحة) بعض مايسمعونه ويقرأونه من (أخبار) الراهن السياسي الوطني، وكان آخر ماوصلني (استفسار) من قارئ (مغترب) في إحدي الدول العربية، قال لي أنه جلس إلي مجموعة من السودانيين وقد (سمع أحدهم) يتحدث ويقول أن البرهان يسعي لتنفيذ (إنقلاب ناعم) للإنفراد بالحكم، يخطط له ويرسم مساره في مفكرته الخاصه، ووصف جولاته وسط الجماهير بأنها سعي منه لصناعة (شعبية كاسحة) تكون الحاضنة له بعد صعوده للحكم..؟!!…بالطبع لم أشأ أن اقول له أكثر من أطلب منه أن يتعامل مع مثل هذه الأقوال بأنها من شاكلة (الزبد الرابي) الذي تحمله (السيول) بعد نزول المطر ثم (ترمي) به علي (جنبات) الأودية…فهذا القارئ كاد أن يقع (ضحية) للأكاذيب والإشاعات التي يطلقها (المعارضون) للحكم القائم، بعد أن (استنفدوا) كل مالديهم من أشكال (التآمر) علي الجيش والشعب والوطن وأصابهم (اليأس) فما بقي لهم غير صناعة مثل هذا (الكذب الرخيص)…ثم آخر يسألني عن صحة ماسمعه بأن د.كامل إدريس رئيس وزراء الحكومة يقف وراء (عودة القحاتة) من جديد ليشاركوا في الحكم..عبر مااعلنه عن مؤتمر الحوار الجامع المزمع إنعقاده لاحقاً..!! هذه الأراجيف أضحت بضاعة (رائجة) عند شتات المعارضة من التمرد وأذنابه القحاتة والتبع المغيبون، ولن تكون لهم (عوضاً) عن (خيبتهم) وهزيمة التمرد، فقط تؤدي لهم وظيفة الحصول علي (مصاريف الإرتزاق) من الكفيل المغلوب علي أمره، فهؤلاء القوم (فات) عليهم ان (ماحاق) بتجارب الإنقلابات العسكرية والديمقراطيات من عدم الإستقرار والإضطراب ماعاد يغري أحداً ليفكر في (إجترارها) مرة أخري، فقد عفا عليها الزمن، والبرهان بل كل منسوبي المنظومة العسكرية (يفهمون) ذلك و(ينأون) عن الوقوع في (شراكه) ومآلاته المضنية..أما أن يلجأ البرهان (لصناعة شعبية) له، فهذا قول مردود فالقائد البرهان أصلاً (يتمتع) بهذه الشعبية المكتسبة من (حضوره المؤثر) في قيادة العمليات العسكرية وبما حققه الجيش والفصائل الاخري المشاركة من إ(نتصارات ساحقة) ضد التمرد، فهذه الشعبية (مستحقة) وهو جدير بها وليست تحت (التصنيع) كما يزعم المخبولون..!! *أما قيل عن وقوف السيد رئيس الوزراء مع (عودة) القحاتة للحكم بمايشبه التعاطف معهم، فهو أيضاً من قبيل الكذب، فعودة أو عدم عودة من ساندوا التمرد، (قرار من الشعب) ولايملك الحق فيه لا السيادي ولا الحكومة لأنهما ملتزمان بإرادة الشعب ويقاتلان من أجله عسكرياً ومدنياً..فالبرهان في قيادة الميدانية والتخطيط العسكري وبروف كامل في (معافرة ورهق) الخدمة المدنية وإحياء شرايينها لتعود أقوي…وهما هكذا في هذا (الهم الوطني) الكبير، لا تشغلهما (طموحات ذاتية)، ولايفكران إلا في تحقيق تطلعات الشعب..فاخسأوا ياعملاء الشتات، (فعزة ورفعة) الوطن والشعب هما (الشغل الشاغل) للسيادي والحكومة..!! سنكتب ونكتب…!!! *فتح الرحمن النحاس* ___________ *(مُهرة) علي تلغرام* https://t.me/muhranews

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *