70 عام بين وعي الجماهير وعجز النخب

*70 عام بين وعي الجماهير وعجز النخب*

➖🟢➖

*مُهرة نيوز*

في 19 ديسمبر 1955، أعلن استقلال البلاد بالتصويت من داخل البرلمان، ليُعلن رسمياً عن قيام جمهورية السودان في 1 يناير 1956.

ولكن مع مرور السبعين عامًا على الاستقلال، مازالت بلادنا تقف في مكانها، تحمل مفتاحًا لم يُحسن استخدامه بعد، وخريطة لم يُدرك رموزها، ما يطرح تساؤلًا أساسيًا: لماذا تعثرت الدولة السودانية في تحقيق استقلال حقيقي يمتد إلى سيادة القرار الوطني الكامل واستقرار ديمقراطي مستدام؟

يظل الشعب السوداني، بكافة فئاته الاجتماعية، يمثل قوة كامنة قادرة على التغيير والتجدد والنهوض، كما أثبتت جميع الثورات السابقة التي جمعت بين مختلف شرائح المجتمع في سعيها لتحقيق الحرية والسلام والعدالة.

إلا أن هذا الشعب الذي أبدع في الإصرار على التغيير، يجد نفسه محاصرًا بفشل النخب السياسية في ترجمة تلك التطلعات إلى واقع ملموس. إذ رغم الإرادة الشعبية ، تعجز النخب عن تقديم حلول سياسية كفيلة بتجاوز أزمات الدولة السودانية، ما يضع السودان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تستمر الأطماع والصراع إلى أن يؤدي إلى تفكك الدولة،أوان يتحقق تحول جذري نحو سلام مستدام يتيح بناء دولة جديدة على أنقاض الاستقلال المنقوص.

منذ سقوط عمر البشير في 2019، كانت القوى السياسية في السودان أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء النظام السياسي على أسس جديدة، تكون أكثر استجابة لآمال وتطلعات السودانيين . إلا أن هذه النخب السياسية لم تدرك حجم المسؤولية، وبدلاً من السعي نحو تأسيس العقد الاجتماعي من جديد، تعاملت مع الوضع كغنيمة سلطة لا فرصة لإصلاح جذري.

وبدلًا من أن تكون القوى السياسية فاعلة في بناء أسس الدولة الجديدة، انزلق المشهد السياسي السوداني إلى صراعات إيديولوجية ضيقة، وأصبح الهدف الأول هو إقصاء الخصوم، لتتحول العدالة إلى أداة للانتقام.

أول تجليات هذا الفشل كان في تحويل لجنة إزالة التمكين من أداة لتحقيق العدالة إلى وسيلة لتصفية الحسابات السياسية. هذا التوجه أضعف من سيادة القانون وأدى إلى انهيار الثقة في المؤسسات الوطنية، ليصبح الحديث عن العدالة في السودان مجرد شعار دون ترجمة حقيقية على الأرض.

وعوضًا عن توسيع دائرة المشاركة السياسية، سعت بعض الأطراف إلى الاستئثار بالسلطة عبر تحالفات هشة، وهذا يظهر جليًا في دستور المحامين الذي لم يحصل على الحد الأدنى من الإجماع الوطني، بل كان يعكس رغبة بعض القوى في استبعاد الأخرى . كانت هذه الخطوة دليلاً على أن القوى السياسية تفتقر إلى رؤية تهدف إلى البناء لا إلى الإقصاء.

ولكن الأزمة السودانية لا تتوقف عند حدود الفشل الداخلي فقط، بل تتعقد بشكل أكبر بسبب التدخلات الإقليمية والدولية التي غذّت الصراع الداخلي.

إذ في وقت كان من المفترض أن تركز الحكومة السودانية على إدارة أزمة الانتقال، كانت القوى السياسية تسلم مفاتيح البلاد للأطراف الخارجية، وتصبح الوساطات الإقليمية والدولية طرفًا فاعلًا في صناعة القرارات.

هذه التدخلات عززت من التفكك الوطني، وأصبحت التسويات السياسية تدار وفقًا لموازين القوى الإقليمية والدولية، لا وفقًا لإرادة الشعب السوداني. وبذلك، أصبح القرار الوطني مهددًا بفقدان استقلاله الفعلي.

ولا يمكن أن يمر هذا السياق دون الإشارة إلى الفوضى السياسية الناتجة عن غياب سيطرة الدولة على قوى الأمر الواقع. منذ سقوط البشير، تكاثر ظهور المليشيات المسلحة التي تفتقر إلى أي رقابة أو شرعية قانونية، مما أدى إلى تفتيت السلطة وتوزيعها بين فصائل مسلحة، وهو ما أفقد البلاد قدرتها على تحقيق السلام والاستقرار الداخلي. ما يعمق الأزمة ويجعل من حصرية استخدام القوة من قبل الدولة أمرًا قابلا للانزلاق في الفوضى.

الفساد في بعض مرافق الدولة السودانية يعزز من تعميق الأزمة السياسية والاقتصادية في البلاد. لا يتعلق الأمر فقط بتقويض الموارد المالية، بل يتعداه إلى تشويه بنية الدولة، وتعزيز الفجوة بين النخب الحاكمة والشعب. لم يتمكن السودان من فرض آليات حقيقية لمكافحة الفساد، بل إن الاستمرار في الفساد على مختلف الأصعدة في الدولة أضاف أعباء ثقيلة على المواطن السوداني، وجعل تحقيق العدالة الاجتماعية مستحيلاً.

إلى جانب ذلك ، يمثل عدم سيادة حكم القانون إحدى أبرز المشكلات التي يعاني منها السودان اليوم. فالعدالة في السودان تعاني من التحيز والتسيس، وتفتقر إلى الاستقلالية التي تمنحها القدرة على تحقيق مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون. وبسبب هذا الوضع، لم تستطع الدولة السودانية فرض سلطتها بالشكل الذي يسمح بتسوية النزاعات القانونية والسياسية بشكل عادل.

في ظل هذا الوضع المعقد، يقف السودان اليوم أمام مفترق طرق : إما أن تظل الحرب والصراع في السودان يتفاقمان إلى درجة تفكك الكيان السوداني، أو أن تنبثق عملية سلام شاملة تكون بداية لإعادة بناء الدولة السودانية على أسس صحيحة. الخيار الأول، استمرار الحرب، يعني كارثة اقتصادية وإنسانية كبرى لا يمكن تصور عواقبها. أما الخيار الثاني، عملية السلام، فهو صعب وشاق لكنه ممكن إذا توفرت إرادة داخلية صادقة وشجاعة من الشعب السوداني، و إرادة دولية صادقة لا مجرد ابتزاز .

إن استعادة السيادة الوطنية تستلزم الإصرار على إعادة بناء العقد الاجتماعي، بحيث تُستبدل سياسات الإقصاء والتخوين بسياسات شراكة وطنية حقيقية. فالسودان بحاجة إلى دولة قانون، لا دولة سيطرة فصائل مسلحة أو تدخلات أجنبية. كما يحتاج إلى نخب سياسية ذات رؤية استراتيجية تضع مصلحة الوطن في المقام الأول، وتؤمن بأن الطريق الوحيد للخروج من الأزمة لا يمكن أن يكون عبر إقصاء الآخر .

بحسب #وجه_الحقيقة لن يكون الخروج من النفق إلا عبر انتقال حقيقي نحو التعايش الوطني، والعدالة وإصلاح المؤسسات. وإن لم يُسارع السودانيون إلى تصحيح المسار السياسي في إطار من التوافق الداخلي، فإنهم سيظلّون يدفعون ثمن فشل النخب السياسية، و عجزها عن رسم سياسات تبني الدولة الحديثة، ويظل السودان غارقًا في أزماته التي لا تنتهي.

دمتم بخير وعافية.

*ابراهيم شقلاوي*

1 يناير 2026 م Shglawi55@gmail.com

____________

*للانضمام لـ (مُهرة 13)*

https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • Related Posts

    تدوين علي دفاتر برلين

    *تدوين علي دفاتر برلين!.* ➖️🟢➖️ بالامس كتبت في هذه الزاوية عمودا بعنوان (ربما لاحقا).. عن مؤتمر برلين.. وكل الذي قلته حدث.. وبحذافيره… انفض السامر بعجله وعلي عجالة.. واقبل بعضهم علي بعض يتلاومون.. ذلك انهم رفعوا من سقف التوقعات وحمَّلوا المؤتمر أكثر مما يحتمل.. ظنوا -وبعضه اثم- ان المؤتمر سيعيد اليهم دولتهم (صُرة في خيت).. و(معقودة ما بتتفلخ)،، انفض الائتمار ولم يحصل شي في اتجاه (الفصل السابع) ولا إيقاف حربنا ضد الجنجويد واعلان حرب العالم ضدنا كما روجوا واستفاضوا في الصريخ!.. ▪️ ثم انهم عمدوا الي تسفيه الأصوات المناؤئة لهم وتوعدوهم بالويل والثبور وعظائم الامور، فاذا بالابطال يملأون الساحات خارج المؤتمر ويضغطون بقوة مدهشة علي الجميع.. تظاهر الابطال ضد الأوغاد ومن ثم عادوا الي بيوتهم بذات الفخر الذي اخرجهم.. لم يمسسهم سوء، بالرغم من الدعاية السوداء الساذجة التي ملأوا بها الاسافير.. تحدوهم.. ونجح اهل الكرامة في الاختبار، بينما فغر الصموديون افواههم ولم يفهموا بعد ما الذي تحول فعلا وجعلهم بذات الذلة والهوان علي الناس.. تحولت برلين الي ميدان جديد للمنازلة و(البل).. وحقا متلما قالو.. (لا تبدأ شيئا لا تستطيع اكماله).. ▪️لم أكن مستبشراً خيرا بهم وهم (يتفاسلون) ويرفضون حضور اغيارهم.. علي ان الزغرودة التي اطلقتها الماشطة تهاني عباس موحية ويمكن البناء عليها.. فرحتها بالـ(جاكومي) ظاهرة، والجاكومي مهما تسفل ومهما كانت مقدراته ومكانته بيننا، الا انه لا يزال -(حتي الان)- الي جانب الكرامة، ومثله في ذلك(اردول)، وذلك حتي اشعار اخر.. ان القبول بالجاكومي -وهو ما هو- وإطلاق تلك الزغاريد مع تلك الغبطة الواضحة علي (ود الحلال) جواره، كل ذلك يشي بانهم اشتاقوا لبلدهم .. و(كيف تفارق الضفة والنيل هان عليك)؟!.. ولكن.. من أراد نورها فليصطلي بنيرانها!.. ▪️ولعل الغضبة المستحقة التي أطلقها الكبتانو (هيثم مصطفي) البرنس علي ظهور (جوز اللوز) في برلين لا تعدو ان تكون بعضا من الهواء الساخن المتوافر عند الكثير، وما هي الا افصاحا عن الرغبة الحقيقية لتوحيد الموقف الوطني ضد كل محاولات الاستقطاب والامالة عن خط الكرامة.. قال هيثم: (حضن الوطن دا قدر شنو وبيسع كم من الخونة والعملاء!!!؟)!.. يرفض هيثم التلاعب بتلك القيم وهو يري ان ناس قحت لم يرجعوا بعد عن عمالتهم والخيانة.. ف شنو.. (مافي داعي).. شخصيا اري ان اردول والجاكومي غارقان في النرجسية والبحث عن موطي قدم باي طريقة ومن اي باب.. عندهم مشكلة مع (الحذية).. لكنهما يظلان بعض ابتلاءاتنا التي يجب أن نقوم اليها علي عين وحذق.. و(ما لا يدرك جله، لا يترك كله).. ▪️الغريبة ان الاوغاد تداخلوا في تلك الملاسنات ما بين هيثم واردول وحاولوا ان يمارسوا (المديدة الحارة) بعد ان خيبت برلين امالهم واطاحت بطموحاتهم.. و(تكوسها عند الغافل)!. *أشرف خليل* __________ *(مُهرة) علي الفيس بوك* https://www.facebook.com/share/18VK7Cjabb/

    Read more

    Continue reading
    *هوامش على دفتر العودة!.*

    *هوامش على دفتر العودة!.* ➖️🟢➖️ ▪️قبل الحرب لم يكن أحد منا يلجأ إلى لحام الكوابل الكهربائية.. بعد الحرب صار هذا الأمر منتشرا بل أن غالب الناس لجأوا إلى ذلك في ظل الأضرار البالغة والتكلفة الباهظة لمعالجة ما أفسده الجنجويد.. تنتعش الان أسواق المواد الكهربائية و(سوق الكهربجية) على نحو لافت.. ومصائب قوم عند قوم فوائد!.. ▪️الخرطوم ليس فيها كلاب.. تكاد تكون منعدمة (حتى الطير رحل خلاني).. (ما خلا لي خاطر).. وكذلك الكدايس.. أما الفئران فأعدادهم لا بأس بها.. الغريبة ان الفئران أصبحت أقل خجلا.. خاصة بالليل.. تعودت علي (الجنجويد).. وتحاول الآن الاقتراب من الناس!.. ▪️اذا أحسست وانت داخل المنزل ان في الحوش حرامي أو حرامية لا تجهد نفسك ببلاغ النجدة او ضرب الكوراك لـ(أبو مروة).. ما عليك سوى إصدار أي جلبة، او طلع راسك بالشباك مع أي همهة، وسيبادر هؤلاء الظرفاء بالقول حالا: (معليش.. قايلين البيت فاضي).. وسيخرجون من باب الدخول وبهدوء!.. ▪️حي الشجرة من أكثر أحياء الخرطوم أمانا وحيوية.. أسواقها ضاجة.. وهي اقلهم شفشفة.. سوي لصوص (الموتورات)!.. ▪️السرقات التي تمت في العاصمة بعد تحريرها لا ينبغي أن تمر مرور الكرام.. خاصة من تلك التي تمت عبر أشخاص يرتدون أزياء القوات النظامية.. وإذا تركنا أمر البيوت جانبا فان (شفشفة) الاذاعة والتلفزيون بعد التحرير أمر لا ينبغي السكوت عليه!.. ▪️حدثني عبدالله التاجر في سوق السجانة، عن ظهور (شفع صغار) في السوق بأموال طائلة (خالعاهم).. شفع بلا تاريخ ولا تجارب.. فجأة مدت الدراهم أعناقها في السوق بلا استئذان وبعنف.. في مقابلة خروج أعداد مقدرة من (الحرس القديم).. يقول عبدالله: (قدر ما بحتنا وراهم ما عرفنا ليهم اتر)!.. ▪️بين كل هذا تواصل المرأة السودانية نضالاتها ومجاهداتها -كدة رضَّينا علي القحاتة والكيزان- في مشاهد لحظوية لا تقل بسالة عن جهد الرجال وتمضي في افتراع الحلول لازمات التعافي وتعقيدات الحياة وتركيبها.. عظيمة هي حواء السودان.. سواء ان كانت (ولَّادة) ام (كدادة)!. *أشرف خليل* __________ *لمتابعة قناة (مُهرة) على الواتساب*👇🏽 https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *