السودان: معضلة الإغاثة والإدانة الدولية

*السودان: معضلة الإغاثة والإدانة الدولية*

➖🟢➖

*مُهرة نيوز*

تحولت المأساة الإنسانية في السودان إلى حقيقة لا يمكن إنكارها، وقد أكدت ذلك إفادات صادرة عن داخل منظومة الأمم المتحدة. غير أن هذا الإجماع يقابله فراغ عملي حقيقي، حيث تتكدس التقارير والتحذيرات فيما تبقى الاستجابة القانونية والإنسانية عاجزة عن مواكبة حجم الكارثة.

يبقى السؤال إنسانيًا وسياسيًا وأخلاقيًا: لماذا تعجز الإرادة الدولية عن الارتقاء إلى مستوى تداعيات الحرب؟ ومن المستفيد من إبقاء السودان أسير دائرة الشجب والإدانة دون فعل ملموس؟

وصفت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالعنف ضد المرأة والفتيات، ريم السالم، بالأمس بحسب وكالات الوضع في السودان بأنه “كارثي وأسوأ من التخيلات”، مؤكدة عقب زيارة ميدانية لعدد من الولايات، أن العنف الجنسي يُستخدم كسلاح حرب ممنهج، لا كحوادث فردية. هذه الإفادة لا تندرج ضمن الرصد الحقوقي فحسب، بل تشكل توصيفًا سياسيًا لطبيعة الصراع، إذ تُستهدف النساء والفتيات لتدمير النسيج الاجتماعي وتحويل الجسد الإنساني إلى ساحة حرب لمليشيا الدعم السريع.

تظهر الشهادات الأممية نمطًا مركبًا من الانتهاكات يتجاوز الضحايا المباشرين ليطال الأسر والمجتمعات، حيث يُجبر ذوو الضحايا على مشاهدة الجرائم . يتفاقم الوضع بفعل الخوف من الوصم الاجتماعي، ما يجعل الأرقام الموثقة لا تمثل سوى جزء محدود من الحقيقة. ويترافق هذا العنف الجسدي مع عنف اقتصادي ممنهج، يتمثل في نهب المنازل، سرقة المحاصيل، تدمير البنية التحتية وتجريد المجتمعات من مصادر رزقها.

عليه فإن الحرب في السودان لا تُدار بالسلاح وحده، بل بسياسات الإفقار والتجويع والتشريد، في محاولة لتكريس أوهام مجاعة تُستخدم كأداة إخضاع وابتزاز للحكومة السودانية، وإيحاء بفقدان السيطرة وانهيار الدولة.

ورغم إقرار الأمم المتحدة بضعف الاستجابة الإنسانية مقارنة بحجم الكارثة. بيانات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية وبرنامج الغذاء العالمي تشير إلى تمويل محدود لخطة الاستجابة، في وقت يحتاج فيه نحو نصف السكان إلى مساعدات عاجلة ويواجه ملايين السودانيين انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي. وقد حذّر برنامج الغذاء العالمي من أن السودان مهدد بأن يصبح أسوأ أزمة جوع في العالم إذا استمر هذا النسق من العجز.

وفي السياق السياسي ، أكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، أن السودان “عالق في حرب بالوكالة تُخاض للسيطرة على موارده الطبيعية” ، محذرًا من أن ما حدث في الفاشر وكردفان يمثل “أخطر الجرائم المتوقعة التي كان يمكن منعها” . وأضاف أن المجتمع الدولي “يتظاهر بالاهتمام لكنه قليل الفعل” ، وهو اعتراف قانوني وأخلاقي مهم يكشف عن العجز البنيوي داخل النظام الأممي.

حين تُستخدم الاغتصابات الجماعية، والإعدامات العرقية، والتهجير القسري، وتدمير سبل العيش كأدوات حرب ممنهجة، وتُدار هذه الأفعال في سياق مصالح إقليمية ودولية، فإن الأمر يتجاوز توصيف الانتهاكات إلى مستوى الجرائم التي تستوجب مساءلة الفاعلين، بما في ذلك تصنيف مليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية. هذا المطلب بات استحقاق سياسي وقانوني تستند إليه شهادات أممية موثوقة وطبيعة الانتهاكات نفسها.

على صعيد الإغاثة، ورغم تسهيلات الحكومة السودانية لدخول المساعدات عبر المطارات والمعابر، ظلت الاستجابة الدولية محدودة ومجزأة. وتكشف التجارب السابقة في اليمن وسوريا، وكذلك تجارب الإغاثة في السودان، أن التأخير في تقديم المساعدات ليس حيادًا او عجزًا، بل موقف يرقي لمستوي التواطؤ، له ثمن بشري باهظ يُقاس بأرواح المدنيين.

في المحصلة تكمن أزمة السودان الحقيقية في فجوة الإرادة الدولية وعجز النظام الأممي عن تحويل الإدانة إلى مساءلة والفعل العملي. وبينما يُترك ملايين السودانيين في مواجهة الجوع والعنف والنزوح، تتحول الأزمة إلى اختبار قاسٍ لمصداقية النظام الدولي، حيث يصبح حماية الضحايا وتحرير الإغاثة من الحسابات الجيوسياسية الحد الأدنى من واجب طال انتظاره.

وبحسب #وجه_الحقيقة، يكشف المسار الأممي تجاه السودان عن خذلان عميق بلغة قانونية بائسة، فبينما أقرت تقارير الأمم المتحدة بما فيها إفادات المقررة المعنية بالعنف ضد المرأة، بارتكاب اغتصاب ممنهج وجرائم تهجير وقتل واسع النطاق، ظل التعامل مع مليشيا الدعم السريع كطرف نزاع لا كمنظمة إرهابية، رغم توافر أركان جرائم الحرب و التطهير العرقي والإبادة الجماعية. هذا التناقض بين الاعتراف والتقاعس يعكس عجزًا سياسيًا أمميًا جعل السودانيين ضحايا بلا حماية، وأدلة مكتملة بلا مساءلة، في لحظة كان يُفترض فيها أن ينتصر القانون لا أن يُعلَّق باسم التوازنات الدولية.

ودمتم بخيرٍ وعافية.

*ابراهيم شقلاوي*

الاحد 28 ديسمبر 2025م Shglawi55@gmail.com

____________

*للانضمام لـ (مُهرة 13)*

https://chat.whatsapp.com/EBXKrjGQPSXB6gcvg8UoAT

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  • Related Posts

    تدوين علي دفاتر برلين

    *تدوين علي دفاتر برلين!.* ➖️🟢➖️ بالامس كتبت في هذه الزاوية عمودا بعنوان (ربما لاحقا).. عن مؤتمر برلين.. وكل الذي قلته حدث.. وبحذافيره… انفض السامر بعجله وعلي عجالة.. واقبل بعضهم علي بعض يتلاومون.. ذلك انهم رفعوا من سقف التوقعات وحمَّلوا المؤتمر أكثر مما يحتمل.. ظنوا -وبعضه اثم- ان المؤتمر سيعيد اليهم دولتهم (صُرة في خيت).. و(معقودة ما بتتفلخ)،، انفض الائتمار ولم يحصل شي في اتجاه (الفصل السابع) ولا إيقاف حربنا ضد الجنجويد واعلان حرب العالم ضدنا كما روجوا واستفاضوا في الصريخ!.. ▪️ ثم انهم عمدوا الي تسفيه الأصوات المناؤئة لهم وتوعدوهم بالويل والثبور وعظائم الامور، فاذا بالابطال يملأون الساحات خارج المؤتمر ويضغطون بقوة مدهشة علي الجميع.. تظاهر الابطال ضد الأوغاد ومن ثم عادوا الي بيوتهم بذات الفخر الذي اخرجهم.. لم يمسسهم سوء، بالرغم من الدعاية السوداء الساذجة التي ملأوا بها الاسافير.. تحدوهم.. ونجح اهل الكرامة في الاختبار، بينما فغر الصموديون افواههم ولم يفهموا بعد ما الذي تحول فعلا وجعلهم بذات الذلة والهوان علي الناس.. تحولت برلين الي ميدان جديد للمنازلة و(البل).. وحقا متلما قالو.. (لا تبدأ شيئا لا تستطيع اكماله).. ▪️لم أكن مستبشراً خيرا بهم وهم (يتفاسلون) ويرفضون حضور اغيارهم.. علي ان الزغرودة التي اطلقتها الماشطة تهاني عباس موحية ويمكن البناء عليها.. فرحتها بالـ(جاكومي) ظاهرة، والجاكومي مهما تسفل ومهما كانت مقدراته ومكانته بيننا، الا انه لا يزال -(حتي الان)- الي جانب الكرامة، ومثله في ذلك(اردول)، وذلك حتي اشعار اخر.. ان القبول بالجاكومي -وهو ما هو- وإطلاق تلك الزغاريد مع تلك الغبطة الواضحة علي (ود الحلال) جواره، كل ذلك يشي بانهم اشتاقوا لبلدهم .. و(كيف تفارق الضفة والنيل هان عليك)؟!.. ولكن.. من أراد نورها فليصطلي بنيرانها!.. ▪️ولعل الغضبة المستحقة التي أطلقها الكبتانو (هيثم مصطفي) البرنس علي ظهور (جوز اللوز) في برلين لا تعدو ان تكون بعضا من الهواء الساخن المتوافر عند الكثير، وما هي الا افصاحا عن الرغبة الحقيقية لتوحيد الموقف الوطني ضد كل محاولات الاستقطاب والامالة عن خط الكرامة.. قال هيثم: (حضن الوطن دا قدر شنو وبيسع كم من الخونة والعملاء!!!؟)!.. يرفض هيثم التلاعب بتلك القيم وهو يري ان ناس قحت لم يرجعوا بعد عن عمالتهم والخيانة.. ف شنو.. (مافي داعي).. شخصيا اري ان اردول والجاكومي غارقان في النرجسية والبحث عن موطي قدم باي طريقة ومن اي باب.. عندهم مشكلة مع (الحذية).. لكنهما يظلان بعض ابتلاءاتنا التي يجب أن نقوم اليها علي عين وحذق.. و(ما لا يدرك جله، لا يترك كله).. ▪️الغريبة ان الاوغاد تداخلوا في تلك الملاسنات ما بين هيثم واردول وحاولوا ان يمارسوا (المديدة الحارة) بعد ان خيبت برلين امالهم واطاحت بطموحاتهم.. و(تكوسها عند الغافل)!. *أشرف خليل* __________ *(مُهرة) علي الفيس بوك* https://www.facebook.com/share/18VK7Cjabb/

    Read more

    Continue reading
    *هوامش على دفتر العودة!.*

    *هوامش على دفتر العودة!.* ➖️🟢➖️ ▪️قبل الحرب لم يكن أحد منا يلجأ إلى لحام الكوابل الكهربائية.. بعد الحرب صار هذا الأمر منتشرا بل أن غالب الناس لجأوا إلى ذلك في ظل الأضرار البالغة والتكلفة الباهظة لمعالجة ما أفسده الجنجويد.. تنتعش الان أسواق المواد الكهربائية و(سوق الكهربجية) على نحو لافت.. ومصائب قوم عند قوم فوائد!.. ▪️الخرطوم ليس فيها كلاب.. تكاد تكون منعدمة (حتى الطير رحل خلاني).. (ما خلا لي خاطر).. وكذلك الكدايس.. أما الفئران فأعدادهم لا بأس بها.. الغريبة ان الفئران أصبحت أقل خجلا.. خاصة بالليل.. تعودت علي (الجنجويد).. وتحاول الآن الاقتراب من الناس!.. ▪️اذا أحسست وانت داخل المنزل ان في الحوش حرامي أو حرامية لا تجهد نفسك ببلاغ النجدة او ضرب الكوراك لـ(أبو مروة).. ما عليك سوى إصدار أي جلبة، او طلع راسك بالشباك مع أي همهة، وسيبادر هؤلاء الظرفاء بالقول حالا: (معليش.. قايلين البيت فاضي).. وسيخرجون من باب الدخول وبهدوء!.. ▪️حي الشجرة من أكثر أحياء الخرطوم أمانا وحيوية.. أسواقها ضاجة.. وهي اقلهم شفشفة.. سوي لصوص (الموتورات)!.. ▪️السرقات التي تمت في العاصمة بعد تحريرها لا ينبغي أن تمر مرور الكرام.. خاصة من تلك التي تمت عبر أشخاص يرتدون أزياء القوات النظامية.. وإذا تركنا أمر البيوت جانبا فان (شفشفة) الاذاعة والتلفزيون بعد التحرير أمر لا ينبغي السكوت عليه!.. ▪️حدثني عبدالله التاجر في سوق السجانة، عن ظهور (شفع صغار) في السوق بأموال طائلة (خالعاهم).. شفع بلا تاريخ ولا تجارب.. فجأة مدت الدراهم أعناقها في السوق بلا استئذان وبعنف.. في مقابلة خروج أعداد مقدرة من (الحرس القديم).. يقول عبدالله: (قدر ما بحتنا وراهم ما عرفنا ليهم اتر)!.. ▪️بين كل هذا تواصل المرأة السودانية نضالاتها ومجاهداتها -كدة رضَّينا علي القحاتة والكيزان- في مشاهد لحظوية لا تقل بسالة عن جهد الرجال وتمضي في افتراع الحلول لازمات التعافي وتعقيدات الحياة وتركيبها.. عظيمة هي حواء السودان.. سواء ان كانت (ولَّادة) ام (كدادة)!. *أشرف خليل* __________ *لمتابعة قناة (مُهرة) على الواتساب*👇🏽 https://whatsapp.com/channel/0029VauwC7C5fM5U9Kmh3Z1J

    Read more

    Continue reading

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *